أسباب الإساءة لمقام نبينا محمد صلى الله عليه و سلم
September 25, 2012

أسباب الإساءة لمقام نبينا محمد صلى الله عليه و سلم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم خير من وطئت رجلُه الثرى، وأنار الله به طريق الهدى، وفتح به آذاناً صُمّاً، وأعيناً عُمياً، عليه وعلى آله وصحبه الكرام أفضل الصلاة وأتم التسليم، في هذه الورقة بإذن الله نريد أن نتفحص جسد هذه الأمة لنعرف مكمن الداء الذي يصب عليه الدواء بإذن الله، فما هو في هذه الورقة ليس دعوة للتثبيط والتقليل من أمة عريقة لها تاريخ يعرفه كل العالم، فهي التي قادت العالم طوال ثلاثة عشر قرناً من الزمان، وهي القائد القادم بقوة بإذن الله، وإن ما سنذكره لا يصح أن يوضع لليأس والإحباط، وإنما نتحرى المرض كما يتحراه الطبيب بكل موضوعية حتى يتضح التشخيص الصحيح فينطبق عليه العلاج، والسؤال هو ما هي أسباب الإساءة لمقام نبينا الكريم صلى الله عليه و سلم :

وسنجملها في الآتي:

1/ خوف الغرب من الإسلام:
حيث يعيش الغرب الرأسمالي الصليبي حالة من الرعب والخوف من الإسلام والمسلمين، وصلت إلى حالة مَرَضيّة، عبروا عنها بمصطلح "إسلاموفوبيا" الذي أخذ في الانتشار في العقود الثلاثة الماضية، والذي عرّفه البريطاني "روني ميد ترست" في تقرير له سنة 1997م بأنه "العداء غير المبرر للإسلام وبالتالي الخوف أو الكراهية تجاه كل أو معظم المسلمين"؛ حيث تعمل مئات الشخصيات وعشرات المنظمات ومليارات الدولارات، وعدد لا حصر له من المؤامرات تجتمع كلها لمحاولة تشويه صورة الإسلام والتخويف من المسلمين. ومن أبرز الشخصيات المعادية للإسلام والمسلمين "ستيفن لينون" و"تومي روبنسون" المؤسس والمشارك لشبكة إسلاموفوبيا، وقائد رابطة "الدفاع عن الإنجليز" وهي الحركة الأكثر عداءً للإسلام والمسلمين في العالم، ومن المنظمات منظمة "جهاد ووتش" ومنظمة "العمل من أجل أمريكا" وجمعية "أمريكيون من أجل الوجود القومي"، وألّفوا كتباً لإذكاء روح العداء، منها "كشف النقاب عن الإسلام 2002م"، وكتاب "الجهاد يهدد أمريكا 2003م"، وكتاب "خرافة التسامح الإسلامي"، وكتاب "الإسلام وأوباما 2010م"، هذا الخوف والعداء تُغذّيه الكنيسة باستمرار خوفاً من تحول أوروبا معقل الصليبية، إلى الإسلام والذي بات قريباً بإذن الله حيث تدل نسب المواليد فقط دون الهجرات والتجنيس وغير الذين يتحولون إلى الإسلام، أي أن الذين يولدون من أبوين مسلمين تقريباً الضعف ونصف، إلى درجة أنه صدر تقرير موجود في الإنترنت يحدد عقوداً قليلة من الزمان، تصير فيها أوروبا بأغلبية مسلمة في البلاد. وقد أكد باتريك بوكنان الذي كان مرشحاً للرئاسة الأمريكية في مقال له تحت عنوان "هل ستندلع حرب الحضارات؟" أن "الإسلام غير قابل للتحطيم، ومصير أي صراع عقائدي سيؤدي إلى انتصار المبدأ الإسلامي... وإذا كان عامل العقيدة حاسماً فإن الإسلام نضالي حركي بينما المسيحية جامدة والإسلام ينمو بينما المسيحية تزال، والمحاربون المسلمون مستعدون لمواجهة الهزيمة والموت، بينما يتحاشى الغرب تكبد الخسائر" وختم مقالته: "لا تستهينوا بالإسلام إنه الديانة الأسرع انتشاراً في أوروبا... ولكي تهزم عقيدة تحتاج إلى عقيدة فما هي عقيدتنا نحن؟ النزعة الفردية؟!".

الخوف من الإسلام الذي رفع العالِمين ببواطن الأمور في الغرب الرأسمالي بإمكانية الإسلام في حل وإنقاذ الاقتصاد الرأسمالي دفعهم إلى التساؤل "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟" هذا الخوف هو الذي دفعهم إلى تلك الحرب المسعورة ضد الإسلام وأهله، ومحاولة النيل من كل مقدس فيه في محاولة يائسة منهم، لصد شعوبهم عن التحول إلى الإسلام.

2/ ضعف الحكام في بلاد المسلمين وعلماء السلطان، ومواقفهم المخزية تجاه كل قضايا الأمة ومقدساتها، حيث برهن هؤلاء الحكام وما يزالون، برهنوا للغرب أنهم حراسُ مصالِحِه، وأنهم الخط المتقدم بجيوشه في حربه ضد المسلمين، فأثبتوا له ذلك، حين تخاذلوا أمام يهود حتى أقاموا له دولة، وأكدوا له ذلك حين قاموا يحرسونها ويقتلون كل من يقترب من حدودها، بل قاموا بالتآمر مع الغرب وكيان يهود، على حصار أهل فلسطين وسحقهم، كما في غزة وتجفيف مصادر عيشهم وحياتهم في هدم الأنفاق في سيناء حيث تمثل الأنفاق لأهل فلسطين خياشيم الهواء وشرايين الحياة، ونصبت المجازر للمسلمين في زنجبار، وفي تايلاند، والفلبين، وفي بورما والبوسنة والهرسك، وسيربرينيتسا الغربية، وفي الهند وكشمير وفي الصين انطلقت آلة الحرب الغربية المدمرة عبر المياه والأراضي في بلاد المسلمين، وأنشئت القواعد العسكرية الأمريكية في أراضي المسلمين لتغتصب العراق وأفغانستان وباكستان، ونُزع خمار الحياء والعفة من على رؤوس النساء، ولم يتحرك أحد، واغتُصب الرجال والنساء، ولم يتحرك أحد، سُبّت الذات الإلهية وشتم رسول الله، ودُنّست المصاحف وأحرقت، وهُدّمت المآذن والمساجد ولم يتحرك أحد منهم، فرّقوا أرضهم وبلادهم بأيديهم خدمة لمصالح الغرب عدو المسلمين ولم يتحرك أحد، وأما علماء السلطان فيا للخزي والعار، فقد أضلهم الله على علم؛ أفتوا بجواز الصلح مع كيان يهود، وأجازوا إقامة القواعد العسكرية في بلاد المسلمين بل وأجازوا التعاون مع الكفار على غزو العراق، بل وفي آخر سقطاتهم أفتوا بقمع واعتقال المتظاهرين نصرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم أمام السفارة الأمريكية!

3/ اتساع الهوة بين الحكومات والشعوب:
نتيجة لكل ما سبق فقد اتسعت الهوة بين الحكومات وبين الشعوب الإسلامية، كل مرة ومع كل جريمة ترتكب تضجّ الأمة وتثور الشعوب، فتجد الصد والممانعة، بل والتخاذل الواضح من الحكومات كلما تتنزل في الأمة نازلة لا تجد لهم أثراً ولا حياة، تئن الشعوب وتصرخ الثكالى واليتامى ولا حياة لمن تنادي، فقدوا كل احترام وتقدير، بل أصبحوا في نقمة من شعوبهم فكانوا شرار الأئمة الذين تبغضهم شعوبهم ويبغضونها وتلعنهم ويلعنونها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وهاكم النتيجة:
(1) عدد القتلى على أيدي الحكام، عشرات الآلاف قتلوا فقط في الربيع العربي، ناهيك عمن قتلوا بطرق أخرى.
(2) عدد السجناء عشرات الآلاف، بل أكثر من مئة ألف في سوريا وحدها.
(3) عدد الفقراء، 100 مليون من الفقراء فقط في البلاد العربية، تمثل نسبة 33% من السكان، ووزير المالية في السودان يقول عدد الفقراء في السودان 45% من عدد السكان في السودان.

(4) المهاجرون، تستقبل أوروبا وحدها 1600,000 في العام الواحد معظمهم من البلاد العربية والإسلامية، حيث ذكر مجلس الجالية المغربية، أن فرنسا وحدها استقبلت 55,000 مهاجر عام 2011م.

وأخيراً مأساة سوريا الأبية التي رغم تآمر وإجرام الحكام فإنهم لم يكسروا عزيمة أهلها، حتى 17/9/2012م بلغ عدد القتلى 31,860 قتيلاً واستغل الغرب الحاقد ذلك الوضع فانفرد بالحكام فأذلهم، واستفرد بالشعوب فأذلها حتى أدماها.

4/ عدم بروز هوية الأمة الإسلامية، ما أغرى هؤلاء الكفار وأطمعهم فينا، وهو الفصل الذي تعيشه الأمة الإسلامية بين عقيدتها وبين حياتها، حيث تعتقد العقيدة الإسلامية، ولكنها تعيش حياتها على عقيدة الغرب الكافر، في الحكم وفي الاقتصاد، حتى الاجتماع، أصبحت تسير فيه على عقيدة فصل الدين عن الحياة، فأصبح هنالك تشوّهٌ فكري ومشاعري في فكر الأمة يظهر جلياً وواضحاً في الآتي:

(1) في الحكم؛ أصبح الناس في كثير من الأحيان لا يرون الحكم الرشيد إلا في الديمقراطية، والدولة المدنية ودولة المؤسسات.
(2) في الاقتصاد، أبيح الربا وشركات المساهمة حيث انتشرت سوق الأوراق المالية ونشط الاقتصاد الوهمي، وتراجع النشاط الحقيقي، وأصبح كثير من الناس لا يرى الاقتصاد إلا في البنوك والمؤسسات الربوية.
(3) في علاقات المجتمع، تفشّت حالات الطلاق بسبب الغياب وعدم النفقة، وكثر الاختلاط وفساد الأخلاق وارتفعت نسبة العنوسة لعزوف الشباب عن الزواج.
ولكن ورغم هذه الحالة السيئة التي وصلت إليها الأمة حتى ظنوا أنها أصبحت مواتاً، ها هي الأمة تصحو من جديد بل تزمجر وتثور، فكان الربيع العربي ثورةً ضد الظلم والطغيان، وكانت ثورة سوريا مثالاً للثورة العقائدية للمطالبة بحكم الشرع والدين تحت شعار "على الجنة رايحين شهداء بالملايين" ثم الغضبة العارمة لنصرة الني صلى الله عليه و سلم في كل أرجاء المعمورة.

5/ صراع المصالح والمنافسة اللا أخلاقية في الحضارة الرأسمالية، حيث الغاية تبرر الواسطة أو الوسيلة، فعلى المستوى العقائدي بل الخوض في جدل حقيقي حول الإسلام ومدى صحته من خطئه عادوه وشنعوه حتى يصدوا الناس عنه في إفلاس فكري واضح وانهزام حضاري فاضح، ولقذارة العمل السياسي تحت عقيدة فصل الدين عن الحياة قاموا بقتل شعبهم في أحداث 11 سبتمبر 2001م، واختلقوا امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، من أجل إيجاد مبررات لاحتلاله لتشغيل مصانع السلاح عندهم، وتسويقه لدول العالم الخائف من الحرب، ثم وفي آخر شكل من أشكال السقوط اللا أخلاقي في هذه الحضارة الرأسمالية، جاءت الإساءة لمقدسات المسلمين حتى يستغلوا ردة فعلهم تجاه تلك الإساءات، في إدارة معاركهم الانتخابية، للإطاحة بحكم الديمقراطيين الذين نهجوا مبدأ المداهنة والمُلاينة مع المسلمين بدل منهج الحرب والعداء الذي اتخذه الجمهوريون، فكان العبث بمقدسات المسلمين، وإذكاء روح العداء تجاه المسلمين وتصعيب الحملات ضدهم في أوروبا وأمريكا، لعبةً لصالح حرب كراسي السلطة.

ناصر رضا - رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.