أوباما والتغيير المر
January 29, 2010

أوباما والتغيير المر

لقد كان لنجاح أوباما في الانتخابات الأمريكية وهجهُ وبريقهُ على عامة الناس في داخل الولايات المتحدة أو خارجها. ولِمَ لا وهُم يرَوْن لأول مرة رئيساً من أصول أفريقية لأقوى بلد عانى ولا يزال يعاني من التفرقة والتمييز. وظن الناس - وقد وُجِّهوا لذلك - أنَّ الإدارة الجديدة بقيادة أوباما معها عصا سحرية ستحل كل المشاكل، وستجمع الناس على قلب رجلٍ واحد، وأن الظلم الذي لحق بالناس من الإدارات السابقة سيجد نهاية له، وإنَّ استعمال السلاح الذي كان سائداً سيكون إلى نهاية. وقد رقص الناس يوم أُعلِن الفوز فرحاً وابتهاجاً وهم يرون شاباً أسوداً كان أبوه مسلماً يعتلي سدة الحكم في أمريكا، وهي سابقة في تاريخ الرؤساء الأمريكان. وقد ساق وقدم كثير من وسائل الإعلام أوباما على أنه المجدد لأنظمة الحكم السائدة، وأنه الرئيس الذي سيعيد لأهل أمريكا الحريات المدنية التي سُلبت منهم. وأقسم أوباما اليمين الدستوري ليصبح أول رئيس أمريكي من أصول أفريقية وبشعبية تزيد عن 67%. وبدأ الناس بالعد التنازلي لنهاية مشاكلهم جميعها اقتصادية كانت أم سياسية، وبدأ الناس هنا بانتظار الإعلان عن الوظائف المفتوحة، والبحث عن وظائف جديدة في مصانع وخدمات جديدة. وبدأ الناس يُبَشِرون بعضهم البعض بنهاية المحنة الإقتصادية والعقارية. وقد رفع أوباما شعاره المشهور (التغيير) في حملته الإنتخابية. وهذا التغيير يعني مخالفة الأساليب والأهداف والأدوات والغايات التي كانت تعمل بها الإدارة السابقة، والحق يقال أن التغيير المشهود هو انتقال أوباما من العيش في منزله في شيكاغو إلى العيش في البيت الأبيض في واشنطن. ومع مرور الوقت بدأ الناس يفقدون هذا البريق، وبدأوا يدركون شيئاً فشيئاً أنهم في ظل حلم يفيقون منه، حتى وصلت شعبية أوباما إلى ما دون 50%، فلا تغيير مثلاً في سياسته الإقتصادية أو التعليمية أو حتى الصحية التي كان ينادي بها بعد التعديلات الكثيرة عليها لتحصل على موافقة الكونغرس.

أما على صعيد سياسته الخارجية وخاصة فيما يتعلق بالمسلمين، فلا يخرج عن السير على خُطا بوش وتتبع سُنَنِه. فعلاقة أمريكا بإيران لم تخرج عن السياسة الأمريكية تجاه إيران في عهد الإدارات السابقة، وهي جعل إيران شرطي الخليج والفزّاعة التي تخيف به الدول المحيطة بها. والناظر في علاقة أمريكا بتركيا يجد أنها لم تختلف عن علاقتهما زمن بوش، فأمريكا تستخدم تركيا في أن تكون سمسارها في منطقة الشرق الأوسط وخاصة بين سوريا وكيان يهود، وتُبقيها على استجداء الدخول في الإتحاد الأوروبي الذي يعلن رفضه لتركيا وأهلها، ويذلها في الشروط التي يريدها أن تحققها حتى تحصل على هذا (الشرف الرفيع)، مع أن حقيقة الأمر أنَّ تركيا ليست بحاجة إلى أوروبا، وقد كانت مهيمنةً على أوروبا وأجزاء كثيرة من العالم قروناً طويلة يوم كانت تحكم بالإسلام وتحمله رسالة إلى العالم. ولو كان حكام تركيا يملكون ذرة من شجاعةٍ وإخلاصٍ وعزةٍ لرفضوا الخضوع لشروط أوروبا أو حتى التفكير باتحادها الهش.

وأما علاقة أمريكا بالعراق فلا زالت ترابط فيه، ولا زالت أعمال التفجير والقتل تحصد من الأرواح الكثير، ولا زال الأمن معدوماً، حتى أصبح الناس يتمنون عودة نظامٍ ديكتاتوري كانوا يتمنون فناءه في السابق لحكمه لهم بالحديد والنار والقتل والبطش، ولكنه كان أقل إرهاباً وبطشاً من الوضع الحالي، وأكثر ما سيفعله أوباما هو انسحاب القوات الأمريكية من المدن وتقليل عدد الجنود لا ترك العراق والانسحاب منه.

وأما في أفغانستان فلا زال الوضع كما هو، بل إن أوباما قد اتخذ قراره ووضع استراتيجية جديدة للحرب في أفغانستان بدأها بإرسال 30 ألف جندي إلى هناك، فأي تغيير هذا؟! وأي نهاية لحرب استمرت ثماني سنوات أكلت الأخضر واليابس؟ وأي تغيير هذا لأهل أفغانستان الذين لا زالت الطائرات القاذفة تخطئ أهدافها فتحصد أرواح الأبرياء من النساء والرجال والأطفال؟ وأي وعود هذه التي ينتظرها أهل أفغانستان بتغير الإدارات، أم أنه فقط تغيير في الوجوه والألوان والأسماء؟

ولقد زاد أوباما جرحاً في العالم الإسلامي وهو جرح باكستان، الذي بدأ نزيفة منذ شهور حتى أصبح حال أهلها هناك أشبه بحال المسلمين في العراق، فلا أحد يدري إن خرج من بيته هل سيعود لأهله أم أنَّ قنبلة أو تفجيراً سيحوله إلى جثة هامدة تفرق بينه وبين أهله. ويبدو أن أمريكا تستخدم أسلوب التفجيرات لإخافة الجيش الباكستاني، حتى تجعله يبطش بالمسلمين هناك حيث ظهر عليه التردد سابقاً في دعم أمريكا بمقاتلة ومحاربة المسلمين في أفغانستان، فما ذنب طفل يقتل وما ذنب امرأة أو رجل يفارقان الدنيا بانفجار أعمى لا يميز بين أحد؟!.

وأما في فلسطين فلا زالت الحالة قائمة منذ ما يزيد عن الستين عاماً دون تغيير. فيهود يسيطرون على الأرض والبحر والسماء، وأهل فلسطين لا زالوا خاضعين لكل ذُلٍّ وإرهاب واضطهاد، وحالهم أن أمريكا لن تغير دعمها لكيان يهود، وأهل فلسطين لا معين لهم ولا مجيب غير الله عزَّ وجَل الذي لا تضيع عنده الأمور، ولكن لكل أجلٍ كتاب. وما زالت صرخات السجناء، وآهات المعذبين والممنوعين من دخول بلدهم وزيارة أهليهم ترتفع ولا مجيب من أهل الأرض، بل إن الأدهى والأمرَّ أن يمنع حتى الحاملين للجنسية الأمريكية من دخول فلسطين مع أنَّ الأصل في هذا أن يحرك أمريكا للدفاع عن مواطنيها، ولكن الأمر لا يعنيها.

إن الاستقراء لتصرفات الإدارة الحالية في خلال عام، يُري أنها لم تتغير عن الإدارة السابقة إلا في استخدام كلامٍ معسولٍ وقَعَ فريسته البعض في داخل الولايات المتحدة أو خارجها. وقد تضمن هذا الكلام بعض العبارات التي يستخدمها المسلمون مثل (السلام عليكم) و (رمضان مبارك) و قراءة شطر آية «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» وعدم إكمالها «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13). ويبدو أن أوباما قد نجح في إقناع البعض أنه يحمل تغييراً حقيقياً وأنه جاد في التعامل مع المسلمين بطريقة جديدة، فالثناء الذي جاء بعد خطابه في تركيا وفي القاهرة من قِبل بعض المسلمين في الداخل والخارج يثبت ذلك، مع أن خطابه لم يتضمن أي تغيير في سياسته ونظرته للمسلمين إلا في ذكر بعض العبارات كما ورد سابقاً.

إن إوباما لم ولن يغير سياسته تجاه المسلمين، فالقرار في ذلك راجع لصاحب الأمر والسلطان في أمريكا، ويرجع لمصلحة أمريكا والتي لا يضعها أوباما أو أحد من الرؤساء، وإنما تضعها العائلات الحاكمة في أمريكا والشركات الرأسمالية فيها، وليس الحكام والرؤساء إلا أدوات لتنفيذ هذه المصالح، وهذا أمر معروف ومعلوم غير مجهول، ولذلك لا تجد إقبالاً لدى الأمريكان في الانتخابات، لأن النظام قائم على حفظ مصالح الأقوياء، وقد نجحت أمريكا بعض الشيء في تغيير صورتها النمطية والتي لازمتها منذ ثماني سنوات، والمتمثلة في التعالي والصلف والبطش في التعامل مع الآخرين. واستطاعت عن طريق أوباما أن تخفف من العِداء لها من قبل الآخرين وخاصة المسلمين حيث وضع لهم السم الزعاف في خطاباته والتي لم تغير شيئاً على أرض الواقع. وليحذر الذين يدعون إلى انتخاب هذا أو ذاك أنهم يشاركون في أفعال من انتخبوهم وأنهم مسئولون أيضاً عن نتائج أفعال من انتخبوهم، فالانتخاب وكالة، ولينظر المسلم من يُوكِّل. وليعلم المسلم أنَّ كل قطرة دم تُراق، وأنَّ استمرار المعاناة لأي مسلم نتيجة قرار يتخذه الرئيس سيحاسب عنها كل من شارك في انتخاب الرئيس، وليتذكر المسلم قوله تعالى: «وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا» (مريم: 95)، فلن يُغني عنه شيخ أو إمام، ولن تُغني عنه جمعية أو مؤسسة، ولن تنفعه مصلحة متوهمة أو زيارات تافهة. وليتذكر المسلمون حديث رسول الله e «‏لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» رواه البخاري ومسلم وابن ماجه، أفلا يعي المسلمون على حالهم ويدركون ما يراد لهم، وقد لُدِغوا من الجحر ذاته مرات عديدة من قبل كلينتون وآل بوش؟!

بقلم الأستاذ ابو الهيثم جزاه الله خيرا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.