بين الحقيقة والسراب- نقد إعلامي هادف ح5
November 09, 2009

بين الحقيقة والسراب- نقد إعلامي هادف ح5

حياكُم الله مستمعينا الكرام وأهلاً ومرحباً بكُم في الحلقةِ الخامسةِ منْ برنامجِ بينَ الحقيقةِ والسرابِ ...

هذه المرةُ لنْ أقفَ على برنامجٍ بعينِه بلْ سنتطلَّعُ على قناةٍ بأكملِها لنرَى حجمَ التَّعتيمِ والتَّزييفِ الذِي يسعى الإعلامُ لنشرهِ بينَ الناسِ، مستمعينَ كانُوا أم مشاهدينَ أم قراء ..

لقدْ تعددتِ الفضائياتُ وكثرَتْ على شاشاتِ التَّلفزةِ ، فقدْ أصبحَ التلفازُ يحوِي ما لا يقلُّ عنْ ألفِ قناةٍ كلُّها مسخرةٌ لضربِ الإسلامِ ، حتَّى تلك التي تزينَتْ برداءِ الإسلامِ لتخدعَ أبناءَ الأمةِ بكلامِها المعسولِ.

ومنْ بينِ تلكَ الفضائياتِ قناةُ ساهُورالفضائية السُّودانيَّة:
قناةٌ لتعظيمِ الرسولِ _عليهِ الصلاةُ والسلامُ_ ؟؟!!
حيثُ انطلقتْ تلكَ القناةُ السودانيةُ المتخصصةُ بتعظيمِ المصطفَى _صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم_ في يونيو 2007، منْ مدينةِ 6 أكتوبر بجمهوريةِ مصرَ العربية عبرَ القمرِ الصناعيِّ نايل سات، ويتمُّ تمويلُها عنْ طريقِ استقطابِ الدَّعمِ والهباتِ والتبرعاتِ منَ الأفرادِ والهباتِ الحكوميةِ والشعبيةِ والخيِّرين ،ومنْ أكبرِ مموِّليهَا الرئيسُ السودانيُّ المشيرُ عمرُ البشير.

وقدِ احتفلَتِ القناةُ بقاعةِ الصداقةِ بالخرطومِ بعيدِها الأوَّلِ في يونيو 2008 تحتَ رعايةِ عمر البشير، وبِمشاركةِ عددٍ منَ الفنانينَ والممثلينَ المصريين، أعلنَ ذلكَ الأستاذُ عبدُالله الطاهرِ مديرُ قناةِ ساهور الفضائية في منبرِ وكالةِ السودانِ للأنباءِ، موضِّحاً أهدافَ القناةِ المتمثلةِ في زيادةِ محبةِ وتعظيمِ النَّبي _صلَّى الله عليهِ وسلمَ_ في قلوبِ أبناءِ العالَمِ الإسلاميِّ بجانبِ قيامِها بالتَّعريفِ بتفاصيلِ سيرتهِ الزكيةِ العطرة، وذلكَ عنْ طريقِ المدائحِ النبويةِ والدراما والبرامج، حيثُ تبثُّ القناةُ يومياً قرابةَ المئتي مديحاً منْ أنواعِ المدائحِ النبويةِ ومُدَحِ الصحابةِ والعلماءِ والأولياءِ وآلِ البيت، كمَا أنَّ قناةَ ساهُور تعتبرُ أولُ قناةٍ متخصصةٍ في سردِ مزايا النبي _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ_ إلى جانبِ تقديمِها لتجربةٍ نوعيةٍ في نشرِ المدائحِ السودانيةِ باعتبارِها إضافة أخرَى خارجَ السودانِ، والتي وَجدَتِ القبولَ منْ عددٍ منَ الفنانينَ العرب والمصريين، خاصةً مدائحُ الشيخِ البرعي وحاج الماحي ،وصارَتْ تُقدَّمُ بعيونٍ غير سودانيَّة،وكشفَ الطَّاهرُ عنْ أعمالٍ دراميةٍ جديدةٍ للقناةِ بمشاركةِ فنانينَ وممثلينَ سودانيينَ ومصريينَ ،وهي غزوةُ بدرٍ الكُبرى بقيادةِ الفنان أحمد ماهر والمخرجُ حمدِي النَّبوي ، وقال إنَّ قناةَ ساهور تُبَرمجَ على طلباتِ المشاهدينَ وقدْ تَمَّ إجراءً استبيانٍ لنصفِ مليون منَ المشاهدينَ ،نتجَ عنهُ أنَّ 60% منهُم يرغبُونَ في تقديمِ مدائحَ نبويةٍ عنْ طريقِ الموسيقى و40% عنْ طريقِ الطَّار.

هذا تبيانٌ بسيطٌ لوضعِ القناةِ، ولنْ أتوقفَ كثيراً عندَ حالِها فقدْ باتَ واضحاً لكُم أنَّها قناةٌ شبيهةٌ بالقنواتِ الغنائيةِ ، فبينَ المدحةِ والأخرى هناكَ مُدحة وهَذا حَالُ القنواتِ الغنائيةِ بينَ الأغنيةِ والأخرَى هناكَ أغنية.

ولمعرفةِ سببُ الإقبالِ على هذهِ القناةِ ومثيلاتِها عندَ النَّاسِ، نرى أنَّ السببَ قديمٌ منذُ سقوطِ دولةِ الخلافةِ الرَّاشدةِ سنة 1924 م ،فالأمةُ حينَها عانَتْ انحطاطاً فكرياً مؤلماً، ومنْ أسبابِ هذَا الانحدارِ انتشارُ الفلسفاتِ الدخيلةِ عَلى الإسلامِ، منهَا الفلسفةُ الهنديةُ والفارسيةُ واليونانيةُ التي خرجَتْ منهَا الصوفيةُ وتعظيمُ الرَّسولِ _عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ_ ،بالزُّهدِ عنِ الدُّنيا والظُّهورِ في المجتمعِ على شكلِ دراويش لا عقلَ لَهُم ، ومنذُ توسُّعِ الدَّولةِ ودخول الناسِ منْ شتَّى البلادِ في الإسلامِ أفواجاً، والتِي عجزَ علماءُ المسلمينَ وقتَها للتَّصدِّي لَها عَلى أساسِ العقيدةِ الإسلاميةِ، فاختلطَ الحابلُ بالنابلِ وغطتِ المفاهيمُ الفاسدةُ علَى المفاهيمِ الإسلاميةِ النقيةِ ، والطرقُ الصوفيةُ ما هيَ إلا امتدادٌ لهذهِ الفلسفاتِ العقيمةِ التي ضللَتِ المسلمينَ وحادَتْ بِهم بعيداً عنِ الإسلام، وعندَما يُصبحُ الفكرُ ضعيفاً تتحكمُ العواطفُ والمشاعرُ في الإنسانِ، ويقعُ فريسةً للخرافاتِ والخزعبلاتِ فيُصدِّقُها ويتأثرُ بِها ثُمَّ يعملُ بِهَا.

ومثالُ ذلكَ عبادةُ الهنودِ للبقرِ وتدحرجُ قساوِسَتُهم عَلى الأرضِ بدلاً منَ المشيِ لأنَّ الرجلَ قدْ رأى شيخَهُ أو إلههُ يأمرُه بذلكَ منْ خلالِ منامٍ رآه، وأمثلةُ الترَّهاتِ كثيرةٌ فمنهُم منْ يظنُّ أنَّ الروحَ تُفصلُ عنِ الجسدِ، والرُّوحُ هيَ الخيرُ والجسدُ وشهواتُه هوَ الشرُّ فيعذِّبُ جسدَهُ بالضربِ حتَّى تسموَ روحُه وترتفعَ إلى السَّماءِ..

وهؤلاءِ المداحونَ في قناةِ ساهُور يتبعونَ طرقَ شيوخِ الصوفيةِ، حيثُ يصلُ الشيخُ منهُم لدرجةِ القولِ أنَّ الصلاةَ قدْ رُفِعَتْ عنهُ لأنَّه لايأتِي بأيِّ فاحشةٍ أو منكرٍ، فقناةُ ساهُور ترسِّخُ تلكَ المفاهيمَ والأسوءُ منْ ذلكَ تصبغُها بالإسلامِ العصريِّ أو المتحضرِ حتَّى يتمَّ تضليلُ المشاهدينَ تماماً.

واضحٌ أنَّ القناةَ تروجُ لدينٍ كهنوتيّ، بعيداً عنِ الإسلامِ الحقيقيِّ فهي تصرفُ أموالاً طائلةً لتعميةِ البصائِرِ، بدلَ أنْ تبيِّنَ للناسِ أنَّ تعظيمَ الرَّسولِ _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ_ ، يكونُ بتطبيقِ شرعِ الله وسنةِ نبيهِ، لا بالغناءِ والمدائحِ التي لا طائلَ منْ ورائِها..

كما رأيتُ خِلالَ مشاهدتِي لتلكَ القناةِ مدائحَ تجمعُ بينَ الرجالِ والنِّساءِ، يتناوبونَ في قولِ المدحةِ حيثُ تقولُ إحداهنَّ كلاماً ويردُّ رجلٌ بكلام، فإلَى أصحابِ العقولِ أقول :ما الفرقُ بينَهُم وبينَ الغناءِ الثنائِيِّ المشهورِ بينَ المغنِّينَ العاديِّينَ وهوَ ما يطلق عليهِ (الدّويتُّو)؟؟

نساءٌ متبرجاتٌ وأصواتٌ رنانةٌ فلا فرقَ إذاً ،لكنْ ما يُحزن قولُ بعض مشايخِ هذهِ الأيامِ أنَّ في الكلامِ فرقٌ، متغاضينَ عنِ الاختلاطِ والمحرماتِ التي تحدثُ ، وكم نجدُ منَ الناسِ من يتبع فتاوى أمثال هؤلاء المشايخ لا لشيءٍ إلا ليجدَ له شريكاً في الإثمِ ..

أموالُنا تُهدرُ وثقافتًنا تًقتلً وعَلى يدِ مَنْ ، عَلى أيدِي أبناءِ الأمةِ الذينَ يتغلغلونَ في جسدِها كالمرضِ العضالِ الذي لا فكاكَ منهُ إلا باجتثاثِه كلياً، فلا علاجَ إلا بالاستئصالِ نسألُ الله أنْ تكونَ االدولةُ قريبةٌ بإذنِه تعالَى لتستأصلَ كلَّ منْ يُحيك للإسلامِ والمسلمينَ مؤامراتٍ تُوقعُ بِهم وتزيدُ في جهلِهم..

أستودعُكم لله الذي لا تضيعُ ودائعُه وتصبحونَ على بيعةِ خليفة وقيامِ الخلافة ..

خنســــــــــــاء

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.