دروس وعبر من الحج
November 26, 2009

دروس وعبر من الحج

الحمد لله حمد الشاكرين, والعاقبة للمـتقين, ولا عدوان إلا على الظـالمين, والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبـه الطـيبين الطـاهـرين, ومن اهــتـدى بـهديـه, واستن بسنــته, وسار على دربـه, ودعا بـدعوتـه إلى يوم الدين , واجعلنـا معهم, واحشرنـا في زمرتـهم, بـرحمتـك يا أرحم الراحمين.

أما بعد: قال الله تعالى في محكم كتابه, وهو أصدق القائلين: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}الحج 26و27.

إخوة الإسلام: عندما أراد الله سبحانه وتعالى للبيت العتيق أن يبنى, وترفع قواعده, وأراد لأرض الحرم أن تكون مهوى أفئدة الناس, أمر نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام أن يسكن ابنه إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر, مكة المكرمة.
وعندما ولى إبراهيم ظهره وأراد أن يغادر المكان, ويتركهما في هذا المكان, قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت: (( يا إبراهيم, أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه ضرع, ولا زرع, ولا أنيس ولا زاد ولا ماء؟))
قالت له ذلك مرارا وتكرارا, وجعل إبراهيم لا يلتفت إليها حتى قالت له: (( آلله أمرك بهذا؟)) قال: (( نعم )) قالت: (( إذن لا يضيعنا!)) ثم رجعت, وانطلق إبراهيم والألم يعتصر قلبه, حتى إذا كان عند الثنية, بحيث لا يرونه استقبل البيت بوجهه, ثم دعا بهذا الدعاء الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}إبراهيم37.

أيها المؤمنون: وهكذا استجاب رب العالمين لنداء إبراهيم عليه السلام فجعل مكة مهوى أفئدة الناس تحن إليها, وتحن إلى زيارة بيت الله الحرام.

إخوة الإيمان: انظروا لأنفسكم, ألا يتمنى كل واحد منكم أن يزور بيت الله الحرام؟ ألا يعتصر قلب أحدكم ألما عندما يرى الحجيج يلبون نداء الله تعالى, وهو في بيته ينظر إليهم؟ ألا يتمنى أحدكم لو أنه معهم يلبي فيقول: (( لبيك اللهم لبيك, لبيك لك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك, لا شريك لك؟!)) ألا يتمنى أحدكم لو أن هذه الحواجز التي تمزق بلاد المسلمين, وتفرق شملهم تزول من أمامه, ويكون باستطاعته أن يزور بيت الله الحرام كلما اشتاق إليه؟ أجل, ليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف بها.

وهذه هي مكة المكرمة التي لم يكن فيها زرع ولا ضرع ولا بشر ولا شجر, يأتيها رزقها من كل مكان استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام, فأصبحت قديمـا تغشاها القوافل التجارية صيفـا وشتاء كما أخبر بذلك رب العالمين حيث قال جل من قائل: {لإيلاف قريش* إيلافهم رحلة الشتاء والصيف* فليعبدوا رب هذا البيت* الذي أطعمهم من جوع وءآمنهم من خوف }

ولما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له: ((وأذن في الناس بالحج)). فقال: ((يا رب, وما يبلغ صوتي؟)) فقال له المولى سبحانه: ((عليك الأذان, وعلينا البلاغ!)). فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح بأعلى صوته:))أيها الناس, إن الله قد أمركم بحج هذا البيت فحجوا)).
فخفضت الجبال رؤوسها, ورفعت له القرى, فأجابه من كان في أصلاب الرجال, وأرحام النساء, وأجابه كل شيء: ((لبيك اللهم لبيك)). فلم يسمعه يومئذ من إنس ولا جن, ولا شجر ولا حجر, ولا جبل ولا ماء ولا شيء إلا قال: ((لبيك اللهم لبيك)) واستجاب لنداء إبراهيم عليه السلام.

أيها المؤمنون: فرض الله علينا معشر المسلمين الحج إلى بيت الله الحرام, وجعله ركنـا من أركان الإسلام الخمسة التي لا يقوم الإسلام إلا عليها. والحج عدا عن كونه اجتماعـا جامعا يعبر عن وحدة العقيدة والفكر, ويعبر عن وحدة المشاعر والأهداف, ووحدة الآلام والآمال فيه دروس وعبر كثيرة, يجدر بنا أن نتعرف عليها لنرى حكمة المولى سبحانه وتعالى في فرضه هذا الحج على المسلمين:


فالحج أيها الإخوة المؤمنين يعني الإقلاع عن كل محرم حرمه الله, وهو عهد مع الله تعالى أن لا يفرط الحاج بفرض فرضه الله تعالى عليه.
والحج يذكر الحاج عند لباسه ملابس الإحرام بكفن الموت ولباس الموت. وكفى بالموت واعظـا, ومن لم يتعظ بالموت فلا واعظ له.
والحج يذكرنا بما عاناه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لأجل هذا الدين
- فهنا عذب بلال بن رباح رضي الله عنه وقد كان مولا ورقيقا, ولم يكن مثـلنا حرا, فصبر واحتمل!
- وهنا قتلت سمية أم عمار صابرة محتسبة أمرها لله, لتكون أول شهيدة في الإسلام, ليس من النساء فقط, بل من النساء والرجال أيضـا وكانت كبلال جارية وليست حرة!
- وهنا عذب خباب بن الأرت رضي الله عنه وغيره من صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم!
- وهنا وقعت غزوة بدر الكبرى أول معركة في الإسلام, وهنا وقعت غزوة أحد التي هزم في نهايتها المسلمون لمخالفتهم أمرا واحدا من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكيف بكم معشر المسلمين تريدون نصرا وأنتم قد تركتم ما جاء به نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام, وحكمتم بغير ما أنزل الله رب العالمين؟

والحاج عندما ينظر للكعبة, وتدخل هيبتها في قلبه يتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف مخاطبـا الكعبة قائلا : (ما أطيبك وأطيب ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده, لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك: ماله ودمه, وأن لا نظن به إلا خيرا).
يتذكر الحاج هذا الحديث النبوي الشريف ويقارن ذلك بما يراه اليوم من هوان المسلمين, وقتـل اليهود والأمريكان للمسلمين في كل مكان: في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير وغيرها من على أرض المسلمين حيث تفتح لهم المطارات والمعسكرات لضرب أبناء المسلمين!
والحاج عندما ينظر للكعبة, ويتذكر كيف كانت محاطة بالأصنام, وكيف عمل الرسول صلولات الله وسلامه عليه على تحطيم تلك الأصنام لتطهير بيت الله الحرام من جميع الأدناس والأرجاس.
• يتذكر الحاج ذلك وهو يتفكر في الأصنام البشرية التي نصبت نفسها آلهة من دون الله, تشرع ما تشاء, وتسن أحكاما وقوانين كما تريد, كلها تخالف شرع الله, وما نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الذي حطم هذه الأصنام وهو يتلو قول الله تبارك وتعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقــا}.
والحج يذكر الحاج بقول نبيه صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع في جزيرة العرب دينان). ليقارن ذلك بما يراه اليوم من عسكرة الكفار في جزيرة العرب لضرب المسلمين في كل مكان! هذا الحديث النبوي الشريف هو الذي دفع الخليفة الثاني للمسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أن يخرج اليهود والنصارى من جزيرة العرب.
والحج يذكر الحاج فيما يذكره بيوم الحج الأكبر الذي نزلت فيه سورة براءة التي أعلنت فيها براءة الله ورسوله من المشركين, وأعلن فيها نبذ العهود والمعاهدات التي كانت معقودة معهم, وإنذارهم مدة أربعة أشهر كما قال سبحانه وتعالى: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله* فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}. عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ببراءة لأهل مكة: (لا يحج بعد هذا العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة, ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة فأجله إلى مدته, والله بريء من المشركين ورسولـه). قال فسار بها ثلاثــا ثم قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الحقه فرد علي أبا بكر وبلغها أنت)
• والحج يذكر بقوة الله تعالى وقدرته كيف حول سبحانه مكة من أرض جرداء لا ماء فيها ولا زرع حتى أصبحت محط أنظار الناس ومهوى أفئدتهم, ومن أغنى بلدان العالم يأتيها رزقها من كل مكان, وكأن الآيات تتنزل الآن تذكر أهل مكة بأن لا يخافوا على أنفسهم عيلة ولا فقرا فقد كانت مكة آمنة في حين كان الناس حولها لا يعرفون الأمان, وكان أهلها شبعى وغيرهم يتضور جوعـا قبل الإسلام! وكيف يخافون على أنفسهم ورزقهم وقد أمنهم الله وهم على كفرهم, وما ذاك إلا لأنهم من سكان بيت الله الحرام! قال الله تعالى معاتبـا كفار قريش عندما رفضوا اتـباع الهدى خوفـا من أن يتخطفهم الناس: {وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون }القصص57 . ويقول سبحانه:{ أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنـا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفر}.

أيها المؤمنون:


يمن الله في هذه الآية الكريمة على قريش أن أنعم عليهم بنعمة الأمن فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواء, من دخله كان آمنـا, وهاهم الأعراب من حولهم ينهب بعضهم بعضا, ويقتل بعضهم بعضا, فأرض الحرم, وأرض الجزيرة العربية هي أمن وأمان للمسلمين, وحرام على الكفار من كل دين, كما نطق الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم, واستجابة لنداء إبراهيم عليه السلام , فقد فرض الله علينا معشر المسلمين الحج, قال تعالى:{فيه آيات بيـنات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} آل عمران97.
وقد جعل المولى سبحانه وتعالى الحج من الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام, وجعله من أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد, فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي العمل أفضل؟ فقال: (إيمان بالله ورسوله), قيل: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله), قيل: ثم أي؟ قال: (حج مبرور).
كذلك بين أخوة الإيمان, دين الإسلام, أن الحج يمحو الذنوب والآثام فقد ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه). وقد حذر الإسلام من عدم أداء فريضة الحج للمقتدر, وجعله معصية من أكبر المعاصي, فقد ورد عند الدارمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة, أو سلطان جائر, أو مرض حابس, ولم يحج, فليمت إن شاء يهوديـا أو نصرانيـا).
• وختامـا نذكـر حجاج بيت الله الحرام بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الحج أفضل؟ فقال: (العج والثج), فأما العج فهو رفع الصوت بالتلبية, وأما الثج فهو إسالة دم الهدي, فالعج يعني فيما يعنيه براءة الحاج من الشرك, والثج يعني فيما يعنيه موالاة الحاج للمؤمنين, فالحج إكمال للدين, ونحر لكل إثم قديم واستعداد للتضحية من أجل هذا الدين العظيم.

أيها المؤمنون: يستذكر الحاج هذه الدروس والعبر وهو يعلم علم اليقين, وليعلم المسلمون من حوله في شتى بقاع العالم أنه لا خلاص لأمة الإسلام مما تعانيه من قتل للنساء والأطفال والشيوخ, وتدمير للممتلكات والطاقات, واحتلال وتدنيس للأراضي والمقدسات, وتمزيق لأواصر الأخوة بين المؤمنين, وتضييق على المسلمين في أرزاقهم ومعيشتهم, وأهم من ذلك تعطيل شرع الله وتعطيل الحكم بما أنزل الله, وتعطيل الجهاد في سبيل الله, لا خلاص لأمة الإسلام من هذه الأمور إلا بإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي يعد من دلائل صدق نبوته صلوات ربي وسلامه عليه والذي تحققت أربعة أخماسه, وما بقي إلا الخـمس الأخير.

فقد روى الإمام أحمد في مسنـده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النـبوة فيكـم ما شـاء الله أن تكون، ثم يرفـعها الله إذا شاء أن يرفـعها, ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النـبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون, ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون مـلكا عاضا, تكون ما شاء الله أن تكون, ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون ملكا جبريا , فتكون ما شاء الله أن تكون, ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها, ثم تكون خلافة على منهاج النـبوة, ثم سكـت).
هذا الحديث يعـد من دلائل النـبوة, فهـو إخبار عن غيب , وقد تـحقـق معظـم ما ذكر فيه من النـبوة والخلافة الراشدة, والملك العاض والملك الجبري, وبقي أن يتحقـق جزؤه الأخير, وهو عودة الخلافـة الراشدة من جديد, وقد وصفها الحديث بأنـها ستكون على منهاج النــبوة, سائرة على هديـها.

إخوة الإيمان والإسلام : ادعوا الله وأنتـم موقـنـون بالإجابة: اللهم ألــف بين قــلوب عبادك المؤمنين, واجمع على الحق كــلمة المسلمين. اللهم وحـد صـفـوفـهم, وانزع الغـل والحسد والبغضاء من قــلـوبـهم. اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد, يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك, ويؤمر فيه بالمعروف, وينهى فيه عن المنكـر, وتقوم فيه دولة الإسلام , دولة الخلافة ,التي تـحكـم بالقرآن , وبسنة النـبي عليه الصلاة والسلام, وتـحكـمهما في كــل شأن من شـؤون الحياة. اللهم اعتـق رقـابنا, ورقـاب آبائـنا وأمهاتنـا وأزواجـنا وذرياتـنـا من النـار برحمتك يا عزيز يا غفـار.
اللهم أقـر أعينـنـا بـقيام دولة الخلافـة, واجعلــنـا من جـنـودها الأوفـياء المخلصين.
والسلام عليكـم ورحمة الله وبركاته.

خليل حرب - أبي إياس

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.