دروس وعبر من الهجرة- ج1
January 07, 2010

دروس وعبر من الهجرة- ج1

 الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين : (إلا تنصروه فقد نصره الله, إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن أن الله معنا, فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها, وجعل كلمة الذين كفروا السفلى, وكلمة الله هي العليا, والله عزيز حكيم ). ( التوبة 40).

لقد كانت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين منعطفاً تاريخياً حاسماً بل كانت حادثة مهمة غيرت مجرى التاريخ, مما جعل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يحدد بداية لتاريخ الدولة الإسلامية يؤرخ بتاريخ الهجرة النبوية لما لها من أهمية, ولما فيها من الدروس والعبر التي يجدر بالمسلمين أن يعوها ويفهموها ويجعلوها في موضع التطبيق من حياتهم ليسعدوا بها ويفوزوا برضا الله تبارك وتعالى. وفي هذه الحلقة ستعرض على أسماعكم بعضاً منها, ونكمل الحديث عنها في الحلقة القادمة أن شاء الله تعالى. 

بادئ ذي بدء, وفي مقدمة حديثنا عن هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم نقول وبالله التوفيق: إنه لا يجوز للمسلمين أن يحتفلوا إلا في عيدين اثنين هما: عيد الأضحى, وعيد الفطر, فقد نهانا الحبيب صاحب هذه الذكرى عن اتباع اليهود والنصارى, وتقليدهم في أعيادهم.

إذًا ما هي الدروس والعبر المستفادة من حادثة هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ أهي خطب مملولة تلقى على المنابر؟ أهي مراسم واحتفالات وأعياد؟ أتحولت هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عيد؟ أيرضى الحبيب المصطفى منا ذلك؟

حديثنا عن الهجرة ليس تأريخا لهذا الحدث العظيم في تاريخ الدعوة الإسلامية, وليس سرداً لأحداث قصة الهجرة النبوية, نسوقها لأجل التسلية واللهو والترفيه عن النفس. حديثنا عن الهجرة إنما هو تذكير بما يستفاد منها من دروس وعبر, فالإسلام بعيد كل البعد عن أن يكون مجرد مراسم واحتفالات في أيام محددة.

الإسلام إيمان وعمل, والرسول صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة إلى المدينة, وهجرته طور من أطوار الدعوة ومرحلة من مراحل التبليغ , وهي فوق ذلك أمر من الله تعالى, فقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذاً لأمر الله جل في علاه, ولم يهاجر صلى الله عليه وسلم خوفاً من أذى قريش كما يقال أو فراراً بدينه كما تعلمنا في المناهج المدرسية, فالله سبحانه وتعالى قد عصمه من الناس , قال تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك, وإن لم تفعل فما بلغت رسالته, والله يعصمك من الناس, إن الله لا يهدي القوم الكافرين). (المائدة 67) هذا بالإضافة إلى أنه لا يجوز في حق الأنبياء والمرسلين، ونبينا صلى الله عليه وسلم واحد منهم أن يخافوا في الله لومة لائم. قال الله تعالى: (إني لا يخاف لدي المرسلون). ( النمل10)

فقد كان عليه الصلاة والسلام أعزل من كل شيء إلاَّ من الإيمان بالله تعالى، نزلت عليه آيات الله فكان نبياً, وأمر بتبليغها فصار رسولاً، بلغ الناس كل الناس , وأول ما بدأ بقريش , أهله وعشيرته تنفيذاً لأمر الله القائل: ( وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون ). ( الشعراء 216)

 ومن استجاب منهم ضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كتلته وصحابته حتى يكتمل بناؤه ويقوى إيمانه, ويعده لطور جديد, ومرحلة أخرى من مراحل الدعوة.

فهو عليه الصلاة والسلام لم يكن يبلغ سراً, بل كان يصدع بأمر الله تعالى جهاراً نهاراً لا يخشى من ا لبشر أحداً. قال الله تعالى: ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المسهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون). ( الحجر96 )

حتى قيل عنه: إن ابن أبي طالب يتنبأ, يزعم أنه يأتيه الأمر من السماء. وعندما أحس الرسول صلى الله عليه وسلم بسلامة بناء من اتبعه, وبقدرتهم على هدم العقائد الزائفة والآراء الفاسدة, وثبات العقيدة في قلوبهم, جاءه أمر ربه بأن اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين. الأمر لكتلته بأن يخرج بها من طور السرية إلى طور العلن. وخرج بهم صلى الله عليه وسلم من دار الأرقم بن أبي الأرقم في صفين اثنين:

الصف الأول على رأسه حمزة بن عبد المطلب. رضي الله عنه.

الصف الثاني على رأسه عمر بن الخطاب. رضي الله عنه.

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وصدم المجتمع. وكانوا أقوياء في الله وبالله!لم يهنوا ولم يحزنوا! تحملوا التجويع والتقتيل والتشريد والدعاية الداخلية والخارجية والحصار النفسي! تحملوا كل ذلك, وتحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم كي يرضوا الله ربهم!

وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرب قبائل العرب, ويعرض عليهم الأمر بأن يحتضنوا دعوته, ويحموا دينه ليقيم صرح دولته! جرب مكة ولكنها صدته وآذته. وجرب قبيلة عامر بن صعصعة, وجرب قبائل نجد وبعض قبائل اليمن, وعرض الأمر على قبائل الحجاز ولكنهم ردوه جميعا! فذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يعرض أمره فلاقى بها أسوأ ما لاقى, ضربوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين, وخرج منها كسيفاً حزينا مهموما, لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة الطريق, ولم يَفتَّ في عضده, ولم يُضعف صلابة إيمانه, واسمعوا قوله وهو يناجي ربه بعد خروجه من الطائف:

(اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي, وهواني على الناس, يا أرحم الراحمين, أنت رب المستضعفين وأنت ربي, إلى من تكلني, إلى بعيد يتحهمني أم إلى عدو ملكته أمري, إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة, من أن تنزل بي غضبك, أو يحل علي سخطك, لك العتبى حتى ترضى, ولا حول ولا قوة إلا بك)!

ورجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة في جوار سيد من ساداتها, وهو مطعم بن عدي, وعرض في موسم الحج أمره على أهل المدينة فآمن منهم اثنا عشر نقيبا وامرأة , فبعث رسول الله معهم مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلمهم ويعلم من يدخل في الإسلام الإسلام, فعاد مصعب في العام القابل وقال لحبيبه: يا رسول الله, لم يبق بيت في المدينة إلا وفيه ذكر للإسلام, وهاهم نقباء المدينة جاءوا يبايعونك!

وهنا نتساءل: على أي شيء جاءوا ليبايعوا؟ أجاءوا مبايعين بالنبوة أم بالرسالة؟ وهما لا بيعة فيهما من أحد لأنهما تكليف من الله تبارك وتعالى, أم جاءوا يبايعونه على الحكم والسلطان؟ أن هاجر إلينا يا رسول الله, وحكم شريعتك في علاقاتنا, ونحن نحميك كما نحمي أبناءنا ونساءنا!

والمتصفح لنص بيعة العقبة الثانية يرى هذا واضحاً كل الوضوح, إذ قالوا له: يا رسول الله: ابسط يدك نبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره, نمنعك ما دمت فينا مما نمنع منه نساءنا وأطفالنا, فقام فتى منهم قائلاً: على رسلكم أتدرون علام تبايعون؟

إنكم والله تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس, فإن كنتم تاركيه إن نهبت الأموال, ونهكت الأعراض, وقتلت الأشراف فدعوه من الآن, فإنه والله خزي الدنيا والآخرة! وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك! فقالوا: أفرغت؟ قال: نعم, قالوا: يا رسول الله, ما لنا إن نحن وفينا؟ قال: لكم الجنة! قالوا: ابسط يدك نبايعك! فبايعهم. وأمره ربه بالهجرة, فأمر عليه الصلاة والسلام أصحابه بأن يهاجروا إلى المدينة, ثم انتظر هو وحي السماء!

 وأراد أبو بكر أن يهاجر فقال له عليه السلام: لا تعجل, فلعل الله يجعل لك صاحبا! وهاجر صلى الله عليه وسلم ولن نقف طويلاً على تفصيل رحلة هجرته حتى وصل المدينة , فذاك كلام محفوظ! كان يسير ليلاً ويختبئ نهاراً, نسجت العنكبوت على باب الغار نسيجاً, قال لصاحبه: «لا تحزن, إن الله معنا» لحق به سراقة بن مالك, ساخت أقدام فرسه في التراب, دخل الرسول المدينة, قابله أهلها بالأناشيد:

طلع البدر علينا

طلـع البدر علينا من ثنيات الـوداع

وجب الشكر علينا ما دعــا لله داع

أيها المبعوث فينـا جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع

الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة وخطوة من خطوات بناء الدولة وهي أيضا تكليف لنا بإيجاد الدولة والحفاظ عليها. إن هجرته صلى الله عليه وسلم تكليف لنا من الله تعالى بالحفاظ على الذي هاجر من أجله وإليه. فلقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقيم دولة الإسلام , هاجر ليقيم حكم الله في الأرض , هاجر لتكون كلمة الله هي العليا, وكلمة الذين كفروا السفلى! من أجل كل هذا هاجر صلى الله عليه وسلم وكانت هجرته مرحلة من مراحل الدعوة. فلأي شيء نخطب إذاً؟ أفعلنا كما فعل الحبيب؟ هل شرع الله يتحكم في علاقاتنا؟ هل القرآن دستورنا المطبق في حياتنا؟ هل لنا نحن المسلمين في شتى بقاع العالم دولة واحدة موحدة تحكم بشرع الله المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله؟

الجواب معروف دونما إشارة, فنحن المسلمون نهب مقسم موزع على القوى, يتحكم نظام الكفر في حياتنا, وشرع الله منفي عن أرضنا, ونتمحك في المناسبات بآيات الله وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام!

وقبل أن نودعكم على أمل اللقاء بكم في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى نستكمل بها الحديث عن الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية, أذكركم بأهم الدروس والعبر المستفادة في هذه الحلقة:

  • 1. عيد الأضحى وعيد الفطر هما فقط العيدان الشرعيان للمسلمين.
  • 2. الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة, وخطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية.
  • 3. الهجرة تكليف لنا بإيجاد دولة الخلافة والحفاظ عليها.

وفي الختام أن ينفعنا بما نقول ونسمع ونعمل وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه! اللّهم عجل لنا بالخلاص, وابعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته, يقودنا لطاعتك وإقامة حكمك. اللهم أكرمنا بقيام دولة الخلافة واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.