دولة الخلافة هي الدولة الأولى في العالم
January 10, 2011

دولة الخلافة هي الدولة الأولى في العالم

أنزل الله القرآن على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم و جعله حكما و قاضيا على الأشياء و الأفعال و جعل رسالة الاسلام و عقيدته قاضية على ما عداها من العقائد و الأديان حيث ختم الشرائع بالاسلام و ختم العقائد بالايمان بالقرآن تصديقا جازما ، فكانت العقيدة الاسلامية و الدين الاسلامي هو المهيمن على كل الأديان ({وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) و قد كانت هيمنة الكتاب على غيره من الكتب و العقائد والأديان أمرا جليّا واضحا لا يحتاج الى اعمال فكر و نظر و إنما نظرة واحدة ترينا كيف أن الاسلام من لدن الدولة الاسلامية الاولى - دولة المدينة المنورة - الى نهايات الدولة العثمانية و الدولة الاسلامية هي الدولة الاولى في العالم فهي التي تدير شئون غيرها فضلا عن شئون نفسها ، الموقف الدولي بيدها و لصالحها ، لا تقبل لها شريكا و ندّا ينافسها و يكون قسيما لها ، ذلك بأن هذا هو من طبيعة الدول المبدئية التي لا تقبل إلا أن تضع مبدأها موضع التطبيق و التنفيذ، و إلا أن تحمل الناس على تنفيذ كل ما من شأنه أن يجعل الإسلام ولا شيْ غيره هو المطبق ، فالدولة المبدئية لا ترضى أن تُنازَع في رعاية شئون الناس إلا أن تكون الرعاية بحسب ما تمليه عقيدة المبدأ عليها . ولعل هذا القيد ليس خاصا بالعقيدة الاسلامية و ان كان فيها أظهر و أجلى ، إلى أن صاحب العقيدة رجلا كان أو حزبا أو دولة ، يجب أن لا يرضى بأن يُدار شأن أو يُتحدث برأي إلا أن يكون عقيدته و مبدأه ، و من الخطر الذي يصيب حامل الدعوة المدئي ، أن يقبل بأن يشاركه غيره في انتزاع جزء من الرعاية و ادارة الشئون بعقيدة غير عقيدته و نظام غير نظامه مهما كان صغيرا، و لعمري فإن الدول المبدئية تضمحل و من ثم تنتهي بتناسب طردي مع تركها لأي شيء من عقيدة المبدأ ، ألا ترى بأن الدولة العثمانية التي كانت لعشرات السنين الدولة الأولى في العالم بلا منازع ثم هي لما غابت عنها الوظيفة التي لأجلها وُجدت و غاب عنها بان دوامها هو بدوام تفرد المبدأ الذي تحمل ، لما غاب عنها ذلك غابت و غاب مبدؤها .

و لعل السبب الرئيس الذي كان له قدم السبق في أفول نجم الدولة العثمانية قبل أن ينطفئ نجمها تماماً هو قبولها أن تُنازَع الرعاية وإدارة الشئون في الأرض التي كانت قد بسطت سيطرتها عليها ولا أدلّ على ذلك من قبولها في نهاياتها من أن تقوم بعض الدول مثل فرنسا و بريطانيا بإدارة شئون رعاياهم داخل حدود الدولة ، ما أدى بالتالي إلى صناعة جيل كان عبارة عن قنابل موقوتة داخل جسم الدولة .

إن الدولة المبدئية التي أخذت على عاتقها نشر مبدئها لا يجب ان يغيب عنها بحال أن بقاءها ببقاء مبدئها ودوامها بدوامه ، و لذلك فهي دائما تضع الخطط و الأساليب حتى تبقى سيدة الدنيا سواء في الجانب الاقتصادي ام العسكري بل و حتى العلمي فإنها لا تقبل أن تكون رقم اثنين في أي جانب حتى تُبقي الرهبة منها في صدور أعدائها الذين يتربصون بها الدوائر ولا يُقال إن الجانب العلمي عالمي و للدولة أن تأخذه من اي كان بغض النظر عن مصدره ، لا يُقال ذلك ، فبالرغم من أن هذا القول صحيح إلا أن الدولة يجب عليها أن تعمل على أن تكون هي الدولة الأولى في كل شيء حتى لا تقع فريسة بيد أعدائها لضعفها في جانب ما ، و لعلنا في هذا الموضوع نتناول الجوانب المهمة التي لا بد أن تبقى الدولة عليها حتى تضمن تفردها وتفوقها في الأمور كافة وبخاصة في الجوانب السياسية والاقتصادية والعلمية لعلنا نتجاوز أخطاءً وقعت فيها الدولة وبالذات الدولة العثمانية سيما في نهاياتها عندما بدأ السوس ينخر في أصل فكرتها حتى وصلت الى نهاية مأساوية انتهت بزوالها ثم بعد غاضت وغاض مبدؤها من الدنيا فلم يعد يدار شأن أو يلتفت لأمر مهما صغر أو كبر وللدولة فيه تأثير أو وزن لا ناقة لها في الدنيا ولا جمل وأي أمر أعظم من إعطاء اليهود أرض فلسطين وكتابة العهود والمواثيق لهم بذلك والدولة ما زال يحكمها رجل يسمى خليفة يُدعى له على المنابر وتصك النقود باسمه ثم ألم تقتطع أرض الإسلام قبل الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وغيرها ودولة الخلافة قائمة ولعلنا في هذا الموضوع نطرح بعض الجوانب التي لا بد أن تهتم الدولة بها فلا تقلل من شأنها وبخاصة في الجوانب السياسية والاقتصادية بل وحتى العلمية فنقول :

في الجانب السياسي :

قبل الحديث في الجانب السياسي لا يجب أن يغيب عنا بأن السياسة هي الرعاية ، و الرعاية تكون حسب عقيدة المبدأ فكل أعمال الدولة في الداخل أي داخل حدودها أم في الخارج أي خارج حدودها هي اعمال رعاية ، بمعنى ان أعمال الدولة كافة تصب في هذا الجانب و لأجل ذلك تضع الدولة الخطط و الأساليب لنشر المبدأ و المحافظة عليه ، فهذا هو حجر الزاوية في علاقة الدولة بغيرها من الأمم و الشعوب ، و لأجل أن تبقى الدولة الإسلامية الدولة الأولى في العالم فعليها أن تقوم على أمور نذكر أبرزها أمثلة ولا ندعي الحصر :

  • 1- ليس للدولة أن تعقد أي معاهدة او أن تصالح على وضع حدود جغرافية مع أي دولة جارة أو غير جارة ، مما يسمى بمعاهدات حسن الجوار التي تُعقد بين الدول بحيث تكون هذه الحدود محترمة لا يجوز المساس بها أو التعرض لأصحابها كالاتفاقيات التي قامت بين الدول على أساس سايكس بيكو والتي ما وضعت إلا لترسيخ التقسيم في بلاد المسلمين وللحيلولة دون وحدتهم وكان أن أصبحت الحدود الجغرافية بين الدول لها من الاحترام والقداسة ما لها لا يجوز المساس بها أو عدم الاعتراف بها سيما بعد أن أجمعت الدنيا على الاعتراف بها خطوط طول وعرض وسكان وحدود من الجهات الأربع و... فهذه الاتفاقيات وأمثالها لا يجوز للدولة أن تعترف بها أو أن تقرها فأمة الإسلام أمة واحدة يحكمها رجل واحد هو الخليفة ليس بينها حدود يقول صلى الله عليه وسلم: ((من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه )) فهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم بقتل من يريد أن يفرق المسلمين ويقسم أرضهم وبمفهوم الموافقة وما هو من باب أولى لا يجوز أن توافق الدولة على ترسيم الحدود مع ما يسمى بالدول المجاورة بل على العكس من هذا تماما فإنها يجب أن تعمل ومنذ اللحظة الأولى لقيامها على ضم كل البلاد إلى جسم الدولة ولا نقصد بقولنا (( أن تعمل )) أن تعلن الحرب على الأسود والأحمر من الناس من أول يوم تقوم فيه ولكن المعنى أن تتلبس بالأعمال التي من شأنها بالنهاية أن تفضي إلى ضم البلاد لتصبح بلدا واحدا فليس هناك مركز وأطراف أو أي شيء يوحي بالانقسام و أيضا فإن الاعتراف بالحدود معارض بما فعله صلى الله عليه و سلم و الصحابة من بعده من فتحهم للبلاد و نشرهم للاسلام ذلك بان هذه وظيفة الدولة و هذا عملها ، ولذلك كان من الخطرأن تلتزم الدولة بهذه المعاهدات على وجه تأبيدي ، و لكن لها ان تعقد معاهدات في حسن الجوار مؤقتة بوقت و ذلك من فعله صلى الله عليه و سلم في صلح الحديبية ، فإنه بهذا الصلح قد تفرغ لتثبيت كيان الدولة و حفظ بيضتها .
  • 2- نشر الإسلام واجب و نشره يقتضي إزالة كل الحواجز التي تقف في وجهه فحدود الدولة هي الأرض كلها مشارقها و مغاربها و لذلك كان من الخطر أن تقبل الدولة بقسمة العالم مناطق نفوذ بينها و بين غيرها كما فعلت بريطانيا و فرنسا ابان القرن الثامن عشر و التاسع عشر و كما فعلت امريكيا و روسيا أوائل الستينيات من القرن العشرين فإن هذا كفيل بالإجهاز على المبدأ الذي لا يقبل القسمة على اثنين ولا أبالغ اذا قلت بأن الدولة العثمانية فقدت ذاتها منذ ان قبلت بان تتخلى عن نشر الاسلام و بث العقيدة فالدول التي كان خيالها لا يتصور الا محاولة الوقوف في وجه المد الاسلامي أصبحت تفكر كيف لها أن تدمر الدولة الاسلامية و تستأصل شأفتها ، حتى داخل مناطق نفوذها فبدأ الاحتلال يطال دار الاسلام قبل زوال الخلافة بعشرات السنين و ما ذلك إلا لأن الدولة رضيت بحدود لا تتجاوزها فنسيت وظيفتها التي لأجلها اقتعدت الصدارة و المكانة العظيمة ألا و هي نشر الاسلام كاملا في الأرض كلها .
  • 3- إن نشر الاسلام يقتضي بيانه للناس ولا يعني نشره أن يكون فقط نظاما يُطبق على الناس فالنظام ثمرة لمجموعة أعمال تسبق تطبيقه لوائح و قوانين ، فإن الخطر يأتي من الظن بأن وصول الاسلام للناس هو تطبيقه عليهم بالحديد و النار كما فعل الشيوعيون عندما ظنوا أن تطبيق الاشتراكية أنظمة و قوانين ، كاف لنجاح الفكر دون ان يكترثوا بوصول الفكرة للناس قناعة قبل أن تكون قانوناً ، فوجود الاسلام رأيا عاما منبثقا عن وعي عام هو الضمانة الفعلية لتطبيقه و دوام تطبيقه ، و قوة الجندي و صرامة القانون ليست هي الاصل في نجاح وصول الفكرة الى الناس وحتى لا يحدث الالتباس والخلط فإن المقصود بأن الدولة تهتم بحمل الإسلام للناس حملا فكريا موازيا تماما لحمل الناس عليه أنظمة وقوانين سيما في البلاد المفتوحة حديثة العهد بالإسلام وعقيدته فإن أصحابها لابد من العناية بهم حتى بعد دخولهم الإسلام فالخوف من حديثي الإسلام أن يعاودوا تركه إن لاحت لهم فرصة أو واتتهم ظروف سيما ونحن نعرف بأن الكفار لا يزالون يقاتلونا ولذلك يجب على الدولة أن تعتني بهذا الأمر جيدا وهناك شيء من هذا القبيل حصل في ظل دولة الخلافة الأموية مع البربر فالأمر هذا يتطلب العناية القصوى من الدولة حتى لا تنشغل بحروب داخلية أو ثورات من أجل المطالبة بالاستقلال أو الانسلاخ عن جسم الدولة
  • 4- ما يُسمى بالمواثيق العالمية و القوانين الدولية مكتوبة كانت أم متعارفًا عليها ، فبالنسبة لما كُتب بين الدول من مثل اتفاقية جنيف و ملحقاتها و التي تتعلق بالحروب ووجوب مراعاة الأسرى و مناهضة التعذيب و غيرها مما يدخل في رفع الظلم عن الناس فإنه جائز للدولة أن تنضم لها بل وحتى أن تقوم على تأسيسها ، و ذلك مأخوذ من ثنائه صلى الله عليه و سلم على حلف الفضول (لو دُعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت) بشرط أن لا يُخالف أي شيء في الاسلام ، أما القانون الدولي فإنه لا وجود له أصلاً ، فضلا عن كونه يُخالف الأحكام الشرعية فإن العالم لا بد أن يُحكم في النهاية بقانون المنتصر ، فإن لم تكن الخلافة و قوانينها فليس أقل من أن نُبقي حالة العداء بين الدولة و غيرها ثم إن الأمر إما ان يكون الدين كله لله و إما غير ذلك ولا ثالث لهما ، فالقسمة ثنائية ولا سبيل إلى حل وسط ، و لذلك فلا قيمة لمجلس الامن ولا للأمم المتحدة ولا لصندوق النقد ولا غيرها مما أجمع العالم على أن القول ما قال ، فضلاً عن ان هذا أي الاعتراف بأي شرعة دولية أو قانون دولي هو اعتراف بشرعة و شريعة غير شريعة الاسلام ، و هذا مخالف لقوله تعالى : ((وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً)) و مخالف كذلك لقوله صلى الله عليه و سلم: ( لا تستضيئوا بنار المشركين )

أما في الجانب الاقتصادي:

فإن الدولة و من باب رعاية الشئون كذلك فإنها تعمل على أن تكون الدولة الأولى في العالم دائماً و ذلك بعد أن تكون قد امنت رعاياها في الداخل . و ما عليها أن تفعله:

  • 1- يجب عليها و منذ اللحظة الاولى لقيامها أن تعمل على أن تكون عملتها هي الذهب و الفضة لا غير بحيث يُجعلا مقياساً وحيداً للسلع و الخدمات ، فإن نظام الذهب فضلاً عن كونه حكما شرعيا فإنه يحقق الاستقرار النقدي و المالي و الاقتصادي ، ذلك أن ثبات سعر الصرف يُحدث التقدم في التجارة الدولية بحيث لا يخشى التجار من توسع تجارتهم لأن سعر الصرف ثابت .
  • 2- يجب على الدولة و منذ اللحظة الأولى لقيامها أن تعمل على سياسة اكتفائية بحيث تستطيع أن تقوم بنفسها و بالذات حال إعلان الدولة فإن الدولة حال إعلانها لا يُتصور ان تكون بين ليلة و ضحاها هي الدولة الأولى في العالم ، و لذلك يجب على الدولة أن توفر على الأقل الحاجات الاساسية للفرد و للأمة و للدولة ، و هذا ما يُسمى عند أهل الاقتصاد ( بالسياسة الإكتفائية الإنعزالية ) ثم إن الدولة بعد ذلك تعمل على الانتقال إلى ( السياسة الاكتفائية التوسعية ) و لئن كانت السياسة الانعزالية الخطوة الاولى فإن السياسة التوسعية و التي من خلالها تقوم الدولة بتوفير الحاجات الكمالية للفرد و الدولة و الامة تعد الخطوة الثانية و ذلك من خلال الضم ، أي ضم غيرها لها أو بالمعاهدات التجارية بينها و بين غيرها من الدول ولعل الثانية أسرع انجازاً من الأولى ، ذلك أن الأولى و هي الضم تتطلب إزالة الحواجز الجغرافية بين الدولة و غيرها و هذا يتطلب كدّاً و جهدا قد لا يتوفرا للدولة حال قيامها و النقطة هذه تقودنا بالضرورة لأن نتجاوزها إلى الثالثة .
  • 3- لا بد أن تكون الدولة تملك سلعة ضرورية يحتاجها العالم كالبترول مثلاً أو الغاز ، و هذا ما يجعل العالم حال تطبيق سياسة اكتفائية انعزالية متأذيا من سياسة الدولة تلك ، فالدولة لم تلجأ إلى هاتيك السياسة الا اضطراراً فكون الدولة تملك سلعة أساسية يحتاجها العالم سيكون مدعاة للدول أن تعمل على فك الحصار عن الدولة من أجل تبادل السلع والخدمات معها ألا ترى أن ايران مثلا كلما هددها العالم بزيادة الحصار هددت بالبترول و إغلاق المضائق .

أما في الجانب العلمي : فإنه يجب على الدولة أن تعمل على :

تشجيع كل أنواع العلوم العملية من صناعة عسكرية أو غير ذلك ، بحيث تفتح المراكز البحثية و المختبرات العلمية التي تجعل الدولة في أمر الصناعة الدولة الاولى و هذا كله تحت الآية {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ولا أدلّ على الرهبة و الخوف التي توقعها الدولة في صدور أعدائها من أن تفوق الدول كلها في الجوانب العسكرية و العلمية كما تفوقها في الجانب الفكري و العقدي.

الإخوة الكرام :

إن الأساس الذي تعتمده الدولة في الجوانب السياسية و الاقتصادية و العلمية هو ضمان أن تبقى دولة الخلافة هي الدولة الاولى في العالم و القيّمة على كل الدنيا ولا عجب ، فالعقيدة هذا شأنها و الفكرة هذا ديدنها ، لا تقبل المشاركة مع غيرها ، قوّامة على الدنيا بأسرها عقيدة سياسية يُفكر معتنقها كيف تكون الرعاية و فيم تكون فهو دائم التفكير في الدنيا بأسرها و كيف يصلح حالها و شأنها .نسال الله أن يمكن لنا ديننا ويجعل لنا القوامة على كل الدنيا انه ولي ذلك والقادر عليه.

أبو المعتز

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.