فقه الواقع ومنزلته من الكتاب والسنة
December 18, 2009

فقه الواقع ومنزلته من الكتاب والسنة

الفقه في اللغة: الفهم، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان قوم شعيب (ما نفقه كثيرا مما تقول).

 وفي اصطلاح المتشرعين: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الادلة التفصيلية . فيقال فقه الشريعة، فقه السنة، فقه الكتاب.

 ويقال عن الكتاب الذي يحوي هذه المسائل: كتاب فقه والانسان العالم بهذه السائل يقال عنه: فقيه.

 ولذلك عندما تطلق شبه الجملة هذه في المسائل التشريعية لا يفهم منها الى العلم بالاحكام الشرعيةالعملية المستنبطة من أدلتهتا التفصيلية .

أما الذين وضعوا شبه الجملة هذه(فقه الواقع) وعرفوها بأنها فهم أي معرفة العلوم الدنيوية جانبوا الصواب، لأن كلمة(فقه) وضعت اصطلاحا لمعنى معين وعرف عند علماء الشريعة وعند العامة بالمعنى الذي اصطلح عليه بل الذين وضعوا هذه الكلمة باضافتها الى الواقع(فقه الواقع) قد استعملوها بالمعنى الاصطلاحي الأصيل لها ولم يستعملوها حسب تعريفهم هم. فعندما خاضوا في بحث المسائل الشرعية صاروا يأخذون الاحكام من الواقع نفسه وينسبوا ما توصل اليه عقلهم الى الشرع أي أنهم اعتبروا فقه الواقع كفقه الكتاب والسنة فصار فقه الواقع حسب رايهم مصدرا للتشريع. ولبيان ذلك سنضرب بعض الأمثلة من بعض من يدّعون الفقه، وها هي فتاويهم . يقول الشيخ يوسف القرضاوي: (بل يجوز أخذ الفوائد من الأموال المودعة في البنوك الأجنبية والمحلية ولا يقال إن أصلها حرام لأنها حرام في حق مودعها ولكنها حلال زلال للمصالح الاسلامية) ويقول(فقد كان لنا خلافة تجمع المسلمين تحت راية العقيدة الاسلامية وكان لنا خليفة يمثل القيادة المركزية لأمة واحدة - إلى أن يقول- وعلى الحركة الاسلامية أن تقوم هي مقام القيادة المركزية للأمة المسلمة)وهذا الشيخ مصطفى الزرقاء يقول(وكذلك أجد مستندا واضحا ودليلا محكما على جواز عقد التأمين في نظام مالي قانوني قائم عمليا في حياتنا وهو من النظم العالمية أيضا ويطبقه ويستفيد منه علماء الشريعة الاسلامية الموظفون في كل قطر ويرونه اساسا ضروريا شرعا وعقلا لا بد منه للعمل في وظائف الدولة الا وهو نظام التقاعد والمعاش)و(هذه ليست فلتة منه فله كثير أحكام مثل هذا الحكم)وأما ماقاله شيخ الأزهر الأسبق عبدالحليم محمود في أمريكا عندما ذهب رئيسه أنور السادات الى القدس معترفا لليهود في فلسطين فقد بارك شيخ الأزهرهذه الزيارة و(دعا الى اقامة معبد يضم الأديان السماوية الثلاثة - حسب زعمه - على جبل طور سيناء) وأما شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي فانه أصدرقرارا يمنع لبس المرأة للحجاب واعتبر هذا المنع فتوى شرعية . وقد صدرت هذه الفتوى تلبية وتمشيا لقوانين دول الكفر وحجته في منع الحجاب - حتى يستطعن العيش في بلاد الكفار بيسر ودون مضايقات- وكان ممن كان قبلهم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية أن قال في تعدد الزوجات(قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد وحرمانهن من حقوقهن في النفقة والراحة ولهذا يجوزللحاكم والقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعا للفساد الغالب)وقد استدل هذا الشيخ على الولاء والانتماءالى الوطن بقول(للفرنساوي لابروير الحكيم) أما الشيخ رفيق العظم فانه(يدعو الى تنقيح الدين وتهذيبه حتى يصبح ملائما للعصر وصالحا للحياة)وهذا الشيخ محمد مصطفى المراغي يقول(ضعوا من المواد مايبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان وانا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الاسلامية يطابق ما وضعتم)هذه أمثلة من مشايخ هذا العصر تدل كلها على أنها أخذت من الواقع وحكم بصحتها العقل دون الالتفات الى نص شرعي وهذا هو عين(فقه الواقع) يتبين مما تقدم أن فقه الواقع جعله علماء هذا العصرمصدرا من مصادر التشريع بل هو المصدر الأول فشبه الجملة هذه أعني(فقه الواقع)هي قاعدة اوجدها العقل، وما يستنبط منها دليلة العقل فيكون حسب رأي مشايخ هذا العصر بناء على هذه القاعدة العقل هو مصدر التشريع فهل يجوز هذا الامر عقلا أو شرعا عند المسلمين. نبدأ أولا بتحكيم الشرع يقول الله سبحانه وتعالى(فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) وهذا ما يجب أن يكون عليه المسلمون. ولبيان ما ورد من أمثلة نقول إن الاحم التي تعالج هذه المواضيع منها أولا يقول الله سبحانه وتعالي(الذين يأكلون الربا لايقومون إلاكما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون- يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم- إ ن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون- يا أيها الذين آمنوا إتقو الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين- فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولاتظلمون) ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علمائهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم على لسان أنبيائهم داود وعيسى إبن مريم)وأما المثال الثاني وهو جعل حركة إسلامية تقوم مقام الخليفة فمردود بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)فأوجب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين قتل الخليفة الآخر وهذا فيه تشديد على بيعة خليفة واحد يحكم المسلمين جميعا على وجه الأرض وفعل الرسول والخلفاء الراشدين من بعده بيان لا لبس فيه على وحدة الخلافة وفردية الخليفة أي أن المسلمين يجب أن يكونوا جميعا في دولة واحدة وأن يكون عليهم حاكم واحد. وأما المثال الثالث فإن الشيخ الذي لم يجد نصا يبين حكم التأمين وجاء بحكم وضعه الكفار وفرضوه علينا كما فرضوا النظام الإقتصادي كله على المسلمين جاء بهذا الحكم واستدل به على جواز التأمين بشكله الحالي واعتبره حكما شرعيا وبهذا أصبحنا نأخذ أحكام الكفر عن طريق مشايخنا حتى تصبح شرعية فأقول لأ مثال هؤلاء العلماء إن التأمين هو الضمان بعينه ورعايه جميع الأمة من تجار وعمال وموظفين وعاطلين عن العمل ومقعد ين وجميع من يحمل تابعية الدولة فالإسلام يضمن عيشهم الكريم وأناط الإسلام هذه الرعاية بخليفة المسلمين ولم يترك الإسلام رعاية شؤون الأمة لشركات إحتكارية أو غيرها فسامح الله مشايخنا اذ استبدلوا نظام الكفر بنظام الإسلام واعتبروه أحكاما شرعية يقول رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم(الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)أما إن أراد أحد أن يضمن حق أحد فلا يجوز أن يأخذ عليه مقابل لأن الضمان تصرف من طرف واحد وعلى الضامن الإلتزام بما ضمنه وهذا الموضوع فيه تفصيل عند فقهاء الأمة في باب العقود والتصرفات . أما المثال الرابع فهو القول ببناء معبد يضم الأديان السماوية الثلاثة - حسب زعمه - فمردود بقول رب العالمين (قل يا أيها الكافرون- لاأعبد ما تعبدون- ولا أنتم عابدون ما أعبد- ولا أنا عابد ما عبدتم- ولا أنتم عابدون ما أعبد- لكم دينكم ولي دين) أتريد يا شيخنا أبلغ من هذا الكلام لتفهم حرمة ما تقول. أما المثال الخامس فهو في منع الحجاب فواضح أنه أفتى بهذا مسايرة للكفار لأن الفتوى جائت تلبية لهم وكان قد قال قولا أبعد من هذا القول عن الإسلام في رده على الصحفيين عند سؤ ال عن فتوى كان قد أصدرها بحق الصحافيين فالسؤال كان من أين أصدرت هذه الفتوى فأجاب(أنا حر أقول ما أعتقده)وردا على فتواه في منع الحجاب أقول إن الذي يجب أن يكون هو عكس ما أفتى به شيخنا إذ الواجب على دولة الإسلام أن تفرض الإلتزام بالأحكام الشرعية على كل من هو موجود في دار الإسلام لقوله تعالى(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)أما المثال السادس فهو منع تعدد الزوجات فمردود بقوله تعالى(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى الاتعولوا)فالذي يريد استنباط حكم شرعي من الكتاب أو السنة عليه أن يكون عالما باللغة العربية لأن القرآن نزل على العرب وكان الواحد منهم يتزوج بأكثر من واحدة وهم يفهمون معنى قوله تعالى(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) ولا يوجد علة في الآيات. والعلة يجب أن تكون شرعية ولذلك يسقط استدلالك في مظنة خوف الفساد. وأما المثال السابع فهو الإستشهاد على الولاء والإنتماء إلى الوطن فمردود بقول الله جلّ وعلى(قد كان لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه اذ قالو لقومهم انا برءآءو منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده) أما المثال الثامن فهو الذي يريد تنقيح الدين وتهذيبه ليصلح للحياة ويلائم العصر فمردود قول أمثال هؤلاء بقوله سبحانه وتعالى(وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)وأما المثال التاسع فهو الذي يريد وضع ما يبدو له من المواد مما يوافق الزمان والمكان هو دأب مشايخ هذا العصر وشر البلية ما خفي على الناس يقول عز من قائل (ولو إتبع الحق اهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)هذا ما رد الله عليهم فيما إبتدعوه من قاعدة فقه الواقع أما الرد عليهم عقلا:فإن فقه الواقع اعتبر عند هاؤلاء مصدر للتشريع - حسب زعمهم - وفي هذه الحالة يكون العقل هو الذي يصدر الأحكام وليس الشرع وهذا واضح في الأمثلة التي ذكرت هنا ولا يجوز للعقل أن يحكم بدل الشرع لأن العقل قاصر عن البحث في غير المحسوس ولكن العقل هيأه الله للإنسان ليميز الخبيث من الطيب فيما هو محسوس والنصوص الشرعية أصبحت محسوسة للإنسان فله أن يفكر بها ويفهمها بالطريقة الصحيحة لعملية التفكير وأما التفكير والبحث فيما لايدركه العقل فهو ضرب من الخيال فإصدار الحكم على الأفعال بالحل والحرمة أي من حيث الثواب والعقاب في الآخرة فإن العقل لا يدرك ذلك فلذلك أمرنا الله أن نؤمن بجميع الرسالات التي أنزلها على الأقوام السابقة لمعالجة مشاكلهم وتنظيم علاقاتهم بعضهم ببعض وأن عقل الإنسان لايستطيع أن يضع نظاما لعلاقات الناس فيما بينهم لتفاوت عقول البشر وقصر معرفة الواحد فيما يريده الآخر وواقع الناس أنه إذا اختلف إثنان يأتيان لثالث ليحكم بينهما فمن الطبيعي أن الذي يحل مشاكل الناس هو من غير الناس هذا من جهة ومن جهة ثانية إن ما يريده الله من الناس لا يعرفونه إلا بعد أن يبين لهم وبما أن الله سبحانه سوف يحاسبناعلى أفعالنا فمحاسبته تكون حسب ما يأمرنا به أي حسب ما بينه لنا. ومن جهة ثالثة إن الله قد أكمل لنا هذا الدين ومن إعجاز هذا الدين أنه يصلح لتنظيم علاقات البشر وحل مشاكلهم حتى قيام الساعة فأن نضع أحكاما من عقولنا ذلك يعني أن الإسلام ناقص ونحن نكمل هذا النقص ولايقول بهذا عاقل يقول عز وجل(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وعليه فإن العقل يجب عليه أن يسلم بكل ما جاء به الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من أجماع الصحابة والقياس الشرعي وأن يعمل ليفهم النصوص الشرعية. ومن وجهة رابعة إن مصادر التشريع هي الأساس فيجب أن تكون أدلتها قطعية وألا يكون كل ما بني عليها مهزوز ودليل فقه الواقع واهن ولا يرقى أن يكون حتى شبه دليل.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 أبو عادل صرصور

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.