الفقه في اللغة: الفهم، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان قوم شعيب (ما نفقه كثيرا مما تقول).
وفي اصطلاح المتشرعين: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من الادلة التفصيلية . فيقال فقه الشريعة، فقه السنة، فقه الكتاب.
ويقال عن الكتاب الذي يحوي هذه المسائل: كتاب فقه والانسان العالم بهذه السائل يقال عنه: فقيه.
ولذلك عندما تطلق شبه الجملة هذه في المسائل التشريعية لا يفهم منها الى العلم بالاحكام الشرعيةالعملية المستنبطة من أدلتهتا التفصيلية .
أما الذين وضعوا شبه الجملة هذه(فقه الواقع) وعرفوها بأنها فهم أي معرفة العلوم الدنيوية جانبوا الصواب، لأن كلمة(فقه) وضعت اصطلاحا لمعنى معين وعرف عند علماء الشريعة وعند العامة بالمعنى الذي اصطلح عليه بل الذين وضعوا هذه الكلمة باضافتها الى الواقع(فقه الواقع) قد استعملوها بالمعنى الاصطلاحي الأصيل لها ولم يستعملوها حسب تعريفهم هم. فعندما خاضوا في بحث المسائل الشرعية صاروا يأخذون الاحكام من الواقع نفسه وينسبوا ما توصل اليه عقلهم الى الشرع أي أنهم اعتبروا فقه الواقع كفقه الكتاب والسنة فصار فقه الواقع حسب رايهم مصدرا للتشريع. ولبيان ذلك سنضرب بعض الأمثلة من بعض من يدّعون الفقه، وها هي فتاويهم . يقول الشيخ يوسف القرضاوي: (بل يجوز أخذ الفوائد من الأموال المودعة في البنوك الأجنبية والمحلية ولا يقال إن أصلها حرام لأنها حرام في حق مودعها ولكنها حلال زلال للمصالح الاسلامية) ويقول(فقد كان لنا خلافة تجمع المسلمين تحت راية العقيدة الاسلامية وكان لنا خليفة يمثل القيادة المركزية لأمة واحدة - إلى أن يقول- وعلى الحركة الاسلامية أن تقوم هي مقام القيادة المركزية للأمة المسلمة)وهذا الشيخ مصطفى الزرقاء يقول(وكذلك أجد مستندا واضحا ودليلا محكما على جواز عقد التأمين في نظام مالي قانوني قائم عمليا في حياتنا وهو من النظم العالمية أيضا ويطبقه ويستفيد منه علماء الشريعة الاسلامية الموظفون في كل قطر ويرونه اساسا ضروريا شرعا وعقلا لا بد منه للعمل في وظائف الدولة الا وهو نظام التقاعد والمعاش)و(هذه ليست فلتة منه فله كثير أحكام مثل هذا الحكم)وأما ماقاله شيخ الأزهر الأسبق عبدالحليم محمود في أمريكا عندما ذهب رئيسه أنور السادات الى القدس معترفا لليهود في فلسطين فقد بارك شيخ الأزهرهذه الزيارة و(دعا الى اقامة معبد يضم الأديان السماوية الثلاثة - حسب زعمه - على جبل طور سيناء) وأما شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي فانه أصدرقرارا يمنع لبس المرأة للحجاب واعتبر هذا المنع فتوى شرعية . وقد صدرت هذه الفتوى تلبية وتمشيا لقوانين دول الكفر وحجته في منع الحجاب - حتى يستطعن العيش في بلاد الكفار بيسر ودون مضايقات- وكان ممن كان قبلهم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية أن قال في تعدد الزوجات(قد غلب سوء معاملة الرجال لزوجاتهم عند التعدد وحرمانهن من حقوقهن في النفقة والراحة ولهذا يجوزللحاكم والقائم على الشرع أن يمنع التعدد دفعا للفساد الغالب)وقد استدل هذا الشيخ على الولاء والانتماءالى الوطن بقول(للفرنساوي لابروير الحكيم) أما الشيخ رفيق العظم فانه(يدعو الى تنقيح الدين وتهذيبه حتى يصبح ملائما للعصر وصالحا للحياة)وهذا الشيخ محمد مصطفى المراغي يقول(ضعوا من المواد مايبدو لكم أنه يوافق الزمان والمكان وانا لا يعوزني بعد ذلك أن آتيكم بنص من المذاهب الاسلامية يطابق ما وضعتم)هذه أمثلة من مشايخ هذا العصر تدل كلها على أنها أخذت من الواقع وحكم بصحتها العقل دون الالتفات الى نص شرعي وهذا هو عين(فقه الواقع) يتبين مما تقدم أن فقه الواقع جعله علماء هذا العصرمصدرا من مصادر التشريع بل هو المصدر الأول فشبه الجملة هذه أعني(فقه الواقع)هي قاعدة اوجدها العقل، وما يستنبط منها دليلة العقل فيكون حسب رأي مشايخ هذا العصر بناء على هذه القاعدة العقل هو مصدر التشريع فهل يجوز هذا الامر عقلا أو شرعا عند المسلمين. نبدأ أولا بتحكيم الشرع يقول الله سبحانه وتعالى(فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) وهذا ما يجب أن يكون عليه المسلمون. ولبيان ما ورد من أمثلة نقول إن الاحم التي تعالج هذه المواضيع منها أولا يقول الله سبحانه وتعالي(الذين يأكلون الربا لايقومون إلاكما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون- يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم- إ ن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون- يا أيها الذين آمنوا إتقو الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين- فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولاتظلمون) ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(لما وقعت بنوا إسرائيل في المعاصي نهتهم علمائهم فلم ينتهوا فجالسوهم وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم على لسان أنبيائهم داود وعيسى إبن مريم)وأما المثال الثاني وهو جعل حركة إسلامية تقوم مقام الخليفة فمردود بقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)فأوجب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين قتل الخليفة الآخر وهذا فيه تشديد على بيعة خليفة واحد يحكم المسلمين جميعا على وجه الأرض وفعل الرسول والخلفاء الراشدين من بعده بيان لا لبس فيه على وحدة الخلافة وفردية الخليفة أي أن المسلمين يجب أن يكونوا جميعا في دولة واحدة وأن يكون عليهم حاكم واحد. وأما المثال الثالث فإن الشيخ الذي لم يجد نصا يبين حكم التأمين وجاء بحكم وضعه الكفار وفرضوه علينا كما فرضوا النظام الإقتصادي كله على المسلمين جاء بهذا الحكم واستدل به على جواز التأمين بشكله الحالي واعتبره حكما شرعيا وبهذا أصبحنا نأخذ أحكام الكفر عن طريق مشايخنا حتى تصبح شرعية فأقول لأ مثال هؤلاء العلماء إن التأمين هو الضمان بعينه ورعايه جميع الأمة من تجار وعمال وموظفين وعاطلين عن العمل ومقعد ين وجميع من يحمل تابعية الدولة فالإسلام يضمن عيشهم الكريم وأناط الإسلام هذه الرعاية بخليفة المسلمين ولم يترك الإسلام رعاية شؤون الأمة لشركات إحتكارية أو غيرها فسامح الله مشايخنا اذ استبدلوا نظام الكفر بنظام الإسلام واعتبروه أحكاما شرعية يقول رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم(الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته)أما إن أراد أحد أن يضمن حق أحد فلا يجوز أن يأخذ عليه مقابل لأن الضمان تصرف من طرف واحد وعلى الضامن الإلتزام بما ضمنه وهذا الموضوع فيه تفصيل عند فقهاء الأمة في باب العقود والتصرفات . أما المثال الرابع فهو القول ببناء معبد يضم الأديان السماوية الثلاثة - حسب زعمه - فمردود بقول رب العالمين (قل يا أيها الكافرون- لاأعبد ما تعبدون- ولا أنتم عابدون ما أعبد- ولا أنا عابد ما عبدتم- ولا أنتم عابدون ما أعبد- لكم دينكم ولي دين) أتريد يا شيخنا أبلغ من هذا الكلام لتفهم حرمة ما تقول. أما المثال الخامس فهو في منع الحجاب فواضح أنه أفتى بهذا مسايرة للكفار لأن الفتوى جائت تلبية لهم وكان قد قال قولا أبعد من هذا القول عن الإسلام في رده على الصحفيين عند سؤ ال عن فتوى كان قد أصدرها بحق الصحافيين فالسؤال كان من أين أصدرت هذه الفتوى فأجاب(أنا حر أقول ما أعتقده)وردا على فتواه في منع الحجاب أقول إن الذي يجب أن يكون هو عكس ما أفتى به شيخنا إذ الواجب على دولة الإسلام أن تفرض الإلتزام بالأحكام الشرعية على كل من هو موجود في دار الإسلام لقوله تعالى(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)أما المثال السادس فهو منع تعدد الزوجات فمردود بقوله تعالى(فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى الاتعولوا)فالذي يريد استنباط حكم شرعي من الكتاب أو السنة عليه أن يكون عالما باللغة العربية لأن القرآن نزل على العرب وكان الواحد منهم يتزوج بأكثر من واحدة وهم يفهمون معنى قوله تعالى(ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل) ولا يوجد علة في الآيات. والعلة يجب أن تكون شرعية ولذلك يسقط استدلالك في مظنة خوف الفساد. وأما المثال السابع فهو الإستشهاد على الولاء والإنتماء إلى الوطن فمردود بقول الله جلّ وعلى(قد كان لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه اذ قالو لقومهم انا برءآءو منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده) أما المثال الثامن فهو الذي يريد تنقيح الدين وتهذيبه ليصلح للحياة ويلائم العصر فمردود قول أمثال هؤلاء بقوله سبحانه وتعالى(وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)وأما المثال التاسع فهو الذي يريد وضع ما يبدو له من المواد مما يوافق الزمان والمكان هو دأب مشايخ هذا العصر وشر البلية ما خفي على الناس يقول عز من قائل (ولو إتبع الحق اهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون)هذا ما رد الله عليهم فيما إبتدعوه من قاعدة فقه الواقع أما الرد عليهم عقلا:فإن فقه الواقع اعتبر عند هاؤلاء مصدر للتشريع - حسب زعمهم - وفي هذه الحالة يكون العقل هو الذي يصدر الأحكام وليس الشرع وهذا واضح في الأمثلة التي ذكرت هنا ولا يجوز للعقل أن يحكم بدل الشرع لأن العقل قاصر عن البحث في غير المحسوس ولكن العقل هيأه الله للإنسان ليميز الخبيث من الطيب فيما هو محسوس والنصوص الشرعية أصبحت محسوسة للإنسان فله أن يفكر بها ويفهمها بالطريقة الصحيحة لعملية التفكير وأما التفكير والبحث فيما لايدركه العقل فهو ضرب من الخيال فإصدار الحكم على الأفعال بالحل والحرمة أي من حيث الثواب والعقاب في الآخرة فإن العقل لا يدرك ذلك فلذلك أمرنا الله أن نؤمن بجميع الرسالات التي أنزلها على الأقوام السابقة لمعالجة مشاكلهم وتنظيم علاقاتهم بعضهم ببعض وأن عقل الإنسان لايستطيع أن يضع نظاما لعلاقات الناس فيما بينهم لتفاوت عقول البشر وقصر معرفة الواحد فيما يريده الآخر وواقع الناس أنه إذا اختلف إثنان يأتيان لثالث ليحكم بينهما فمن الطبيعي أن الذي يحل مشاكل الناس هو من غير الناس هذا من جهة ومن جهة ثانية إن ما يريده الله من الناس لا يعرفونه إلا بعد أن يبين لهم وبما أن الله سبحانه سوف يحاسبناعلى أفعالنا فمحاسبته تكون حسب ما يأمرنا به أي حسب ما بينه لنا. ومن جهة ثالثة إن الله قد أكمل لنا هذا الدين ومن إعجاز هذا الدين أنه يصلح لتنظيم علاقات البشر وحل مشاكلهم حتى قيام الساعة فأن نضع أحكاما من عقولنا ذلك يعني أن الإسلام ناقص ونحن نكمل هذا النقص ولايقول بهذا عاقل يقول عز وجل(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) وعليه فإن العقل يجب عليه أن يسلم بكل ما جاء به الكتاب والسنة وما أرشدا إليه من أجماع الصحابة والقياس الشرعي وأن يعمل ليفهم النصوص الشرعية. ومن وجهة رابعة إن مصادر التشريع هي الأساس فيجب أن تكون أدلتها قطعية وألا يكون كل ما بني عليها مهزوز ودليل فقه الواقع واهن ولا يرقى أن يكون حتى شبه دليل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبو عادل صرصور