فقرة المرأة المسلمة - عاداتٌ وسلوكيَّاتٌ خاطئَةٌ فِي العِيدِ
September 26, 2009

فقرة المرأة المسلمة - عاداتٌ وسلوكيَّاتٌ خاطئَةٌ فِي العِيدِ

السَّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ تعَالى وبَركاتُهُ :

مُستمعِيَنا مُستمِعِي إذَاعةِ المكتَبِ الإعلاميّ لحزبِ التَّحريرِ كلُّ عامٍ وأنتُم بخيرٍ ، ونسألُهُ تعَالى أنْ يتقبَّلَ مِنَّا وَمِنكُمُ الطَّاعاتِ.

زارَنا شهرُ رمضانَ المباركُ مثلَ كُلِّ عامٍ معَ أنَّ زيارتَه هذِهِ السَّنةَ كانتْ زيارةً سريعةً خاطفةً كأنَّنا لم نشعرْ بِهَا ،، فالأيَّامُ تمضِي كلمحِ البصرِ ،حيثُ صارَتْ السَّنةُ كالشَّهرِوالشَّهرُ كالأسبوعِ والأسبوعُ كاليومِ واليومُ كالسَّاعةِ والسَّاعةُ كحرقِ السَّعفةِ ،، مضَى رمضانُ وأتَى العيدُ بِما يحملُهُ منْ فرحةِ الصَّائِمِ الأولَى يوم فِطرِه بعدَ تلبيةِ أمرِ ربِّه بالصَّومِ، ومَا يحملُه منَ امتدادٍ لخيرِ وبركةِ شهرِ رمضانَ والتي نسألُ الله أنْ لا يحرمَنا منْ خيرِهَا وبرَكتِهَا ، وأنْ يُعيدَها علينَا في ظلِّ الخلافةِ الرَّاشدةِ الثَّانيةِ ،،

إخواني الكرامُ ،،أخواتي الكريماتُ:

لا شكَّ أنَّ عيدَ الفطرِ موسمٌ منْ مواسمِ الخيرِ الذِي تزفُّ فيهِ الملائِكةُ البُشرَى لِلمؤمنينَ، عنْ أبي سعدٍ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ عنْ أبيهِ _رضيَ الله عنهُ_ قالَ: قالَ رسولُ الله _صلَّى الله عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّم_ :" إذَا كانَ يومُ الفطرِ وقفتِ الملائِكةُ عَلى أبوابِ الطُّرُقِ فنادُوا : اغْدُوا يا معشرَ المسلمينَ إلى ربٍّ كريمٍ ، يَمُنُّ بالخيرِ ثُمَّ يُثيبُ عليهِ الجزيلَ ، لقدْ أُمِرتُم بقيامِ اللَّيلِ فقُمتُم ، وأُمِرتُم بصيامِ النَّهارِ فصُمتُم وأطعتُم رَبَّكُم ،فاقبضُوا جوائِزَكُم ، فإذا صلُّوا نادَى مُنادٍ : ألا إنَّ ربَّكم قدْ غفرَ لكُم ،فارجِعُوا راشدِينَ إلى رحالِكُم ، فهُوَ يومُ الجائزةِ ،ويُسمَّى ذلكَ اليومُ في السَّماءِ يومُ الجائِزةِ " ، قالَ الحافظ المنذِريّ : رواهُ الطَّبرانِيُّ في الكبيرِ، ويُسمَّى ذلكَ اليومُ في السَّماءِ يومُ الجائزةِ ويومُالعيدِ يومفرحٍ وسرورٍ لمنْ طابَتْسريرتُه، وخلُصَتْ لله نيَّتُه .

فالعيدُهوَ شعيرةٌ منْ شعائرِ الإسلامِ ومظهرٌ منْ أجَلِّ مظاهرِه ، عنْ أنسٍ_ رضِيَ الله عنهُ_ أنَّ النبيَّ _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ_ لما قدِمَ المدِينةَ وجدَهم يحتفِلُونَبعيدَينِ، فقالَ :"كان لكُمْ يومَانِ تلعبُونَ فيهِمَا، وقدْ أبدلَكُمُ الله بِهمَا خيراً مِنهُما، يومُ الفطرِ، ويومُ الأضحَى"رواهُ أبو داود والنَّسائِي .

وإنَّ لهذهِ الأيَّامِ أفعالاً خاصًّةً تُميِّزُها عنْ باقِي الأيَّامِ ، حيثُ تكثرُ الزِّياراتُ وتبادلُ الهدَايَا والدُّعاءُ والتَّوسيعُ علَى الأهلِ والأحبابِ، وَهيَ مُناسبةٌ جليلةٌ وجبَ علينَا الاستفادَةُ مِنْ معانِيهَا الكَبيرَةِ بعدَ أنْ أنعمَ الله علينَا برحمتِه وكرمِهِ ومنحَنَا العمرَ والصِّحَّةَ لنعيشَ فِي ظلالِ ورحمةِ وروعةِ هذَا الشَّهرِ، إنَّها مُناسبةٌ لَنؤَكِّدُ أنَّنا نُريدُ أنْ نعيشَ هذَا العيدَ عيداً بمعناهُ الحقيقيِّ ، نتجنَّبُ فيهِ بعضَ السُّلوكيَّاتِ السَّلبيَّةَ التي يقتضِي الحذرُ منهَا والتي تُمارسُ في العيدِ ويَعتبرُها البعضُ أساسيَّاتٍ وعاداتٍ وجبَ القيامُ بِها . ومَا هذهِ السُّلوكيَّاتُ إلا نتيجةَ مفهومٍ خاطئٍ وخطيرٍ ، حيثُ تظنُّ بعضُ النِّساءِ وكذلكَ الرِّجالُ أنَّ ربَّ رمضانَ يختلفُ عنْ ربِّ شوَّال ، وربُّ شوَّالَ ليسَ هوَ ربُّ باقِي الأشهرِ، وأنَّ عيدَ الفطرِ هوَ إجازةٌ منْ كلِّ شيءٍ ، حتَّى عنِ التَّكاليفِ الشَّرعيَّةِ بِحُجَّةِ أنَّ اليومَ يومُ عيدٍ ، ويومُ فرحٍ وسرورٍ،معَ أنَّ الواجبَ أنْ يفرحَ المسلمُ في هذهِ الأيَّامِ بِمَا أحلَّ الله منَ المباحاتِ والطَّيباتِ ،وأنْ يشكرَ الله علَى إتمامِه نعمَةَ الصِّيامِ بطاعتِه والتزامِ أمرهِ ،فهوَ يومٌ منْ أيَّامِ الخيرِ بلْ والاستزادةِ منَ العبادةِ ، والتَّضرُّعِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ علَّهُ يستبدلُ الضِّيقَ الذي يعيشُه المسلمُونَ بفرجٍٍ منْ عندِه ، وهذهِ الذِّلةَ التي أثقلَتْ ظهُورَهم بعزٍّ وتمكينٍ ونصرةٍ قريبةٍ بإذنِ الله ..

وسأتحدَّثُ اليومَ بإذنِ الله عنْ تلكَ السُّلوكيَّاتِ التي تقومُ بِها النِّساءُ خاصَّةً في هذهِ المناسبةِ وما يُماثلُهَا منْ مُناسباتٍ ، ومنْ أوَّلِ هذهِ الممارسَاتِ تكونُ قبلَ العيدِ بأيَّامٍ ، حيثُ تقومُ النِّساءُ بالانشغالِ عنْ أيَّامِ العتقِ منَ النَّارِ ، بالتَّنظيفِ والتَّحضيرِ الـمُبالغِ بهِ قبلَ العيدِ ، فتنهمِكُ بِهذهِ التَّحضيرات وبالذهاب إلى الأسواق بدلَ أنْ تستغلَّ الأيَّامَ الأواخرَ منْ شهرِ رمضانَ بزيادةِ العبادةِ والتَّقرُّبِ إلى الله ، وتبذلُ جُهدَها علَّها تُعوِّضُ مَا فَاتَها منْ تقصيرٍ في أداءِ النَّوافلِ وزيادةِ الطَّاعاتِ .

ويومُ العيدِ نرَى تَهاونَ المرأةِ في أداءِ صَلاةِ العيدِ التي حثَّ عليهَا الرَّسولُ _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ_ ورغَّبَ بِها فقدْ رَوَى البُخاريُّ ومُسلمُ عَنْأُمِّ عَطِيَّةَ _رَضِيَ الله عَنْهَا_ قَالَتْ :" أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ _صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالأَضْحَىالْعَوَاتِقَ وَالْحُيَّضَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ ، فَأَمَّا الْحُيَّضُفَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِين،قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِحْدَانَا لا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ . قَال: لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا طبعاً معَ مُراعاةِ عدَمِالخروجِ  متَجمِّلاتٍ متعطِّراتٍ مظهراتٍ لبعضِ الزِّينةِ ، لما فيذلكَ منَ الإثم والفِتنةِ والخطرِ العَظيمِ ما لا يَخفَى ، فهُنَّ وإنْ كُنَّ أُمرْنَ بالخروجِ إلىالمصلَّى ، إلا أنَّهنَّ أُمرنَ أنْ يخرُجْنَ تَفِلاتٍ أي غيرَ متطيِّباتٍ ، ويلحقُ بالطِّيبِ سائرُ ما يدعُوإلى الفتنةِ ، كالزِّينةِ الظَّاهرةِ والتَّكسُّرِ في المشيِ وغيرِ ذلكَ .

ومنْ هذهِ الممارساتِ الخاطئةِ مَا تقومُ بهِ النِّساءُ منَالتَّوسُّعِ في المباحَاتِ منْ لبسٍ وأكلٍ وشربٍ حتى يتجاوزَالأمرُ إلى الإسرافِ في ذلكَ ، والله جلَّ وعلا يقولُ : " وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاتُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (الأعراف31 (فنَرى مُغالاةً في الشِّراءِ سواءً في الملابسِ أو الطَّعامِ أوِ الهدَايَا ، دُونَ مراعاةِ وضعِ الزَّوجِ المادِّيِّ ، وكأنَّ الأمرَ عندَها منْ أساسيَّاتِ الحياةِ ، صحيحٌ أنَّ العيدَ هوَ موسمُ الفرحِ والسُّرورِ ،ولكن أفراحَ المسلمينَ وعيدَهمإنَّما هوَ برضَى خالقِهم ومولاهُم ،لا كمَا يعتقد الكثيرُ أنَّ العيدَ مقتصِرٌ على طعامٍ وشرابٍ ولهوٍ ولعبوثيابٍ ، وإنَّما هوَ أيَّامُ شُكرٍوذكرٍ وتَهليلٍ ، فليسَ العيدُ لمن لبِسَ الجديدَ وتفَاخرَ بالعددِ والعَديدِ. إنَّما العيدُ لمنْ خافَ يومَ الوعيدِوعمِلَ جاهداً للتَّقرُّبِ إلى ذِي العَرشِ المجيدِ.

ومنْ السُّلوكيَّاتِ الأُخرَى مَا تقومُ بهَ أيضاً بعضُ النِّساءِ منْ أمورٍ مبتدعةٍ حولَتخصيصِ يومِ العيدِ لزيارةِ المقابرِ والسَّلامِ علَى الأمواتِ وما يُصاحبُ ذلكَ مِنْ تبرُّجٍ واختلاطٍ وكذلكَانتهاك حرماتِ الأمواتِ منَ الجلوسِ علَى القُبورِ ووِطئِهَا بالأقدامِ وغيرِ ذلكَ منَ الأمورِالمخالفةِ لِهديِ المصطفَى عليهِ السَّلامُ.

ولا نَنسَى اعتبارَالبعضِ أنَّصلةَ الرَّحمِ والتَّواصلَ معهُم وزيارةَ الأهلِ والأصدقاِء حِكرٌ وحَصرٌ عَلى شهرِ رمضانَ المباركِ والعيدِ ، وتتوقَّفُ بعدَ انتهاءِ هذَا الشَّهرِ المباركِ وهذَا العيدِ السَّعيدِ، فلا يَزُورُونَ أرحَامَهم وأهلِيهِم إلا يومَ العيدِ وبقيَّةُ السَّنةِ يبقونَ فِي طيِّ النِّسيانِ ، معَ أنَّ صلةَ الرَّحمِ والتَّزاورَ يجبُ أنْ يكونَ دائِماً وليسَ مُقتصَراً عَلى أيَّامٍ خاصَّةٍ فقطْ ، معَ الحرصِ هنا عَلى عدَمِ تجاوُزِ الشَّرعِ بالنِّسبةِ للتَّبرُّجِ والاختلاطِ المنهِي عنهُمَا شرعاً والتي يتَهاوَنُ بَهمَا الكثيرُونَ فِي أيَّامِ الأعيادِ.

فانتبِهِي أُختٍي لنفسِكِ ورَاجعِي سُلوكِيَّاتِك ، واجعَلِي ميزانَ أعمَالَكِ الحلالَ والحرام ، وليسَ العاداتِ والتَّقاليد فالحسنُ مَا حسَّنهُ الشَّرعُ والقبيحُ ما قبَّحهُ الشَّرعُ .

تقبَّلَ الله طاعتَكِ وجعَلكِ وإيَّانا مِنْ عُتقاءِ شهرِ رمضانَ وأبلغَنا وإيَّاكِ العيدَ القادمَ وقدْ تحقَّقَ وعدُ اللهِ وبُشرَى رسُولهِ _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ _ ،،

وكلُّ عامٍ والجميعُ بخيرٍ .

أمُّ سَدِين

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.