هل أذن  الله سبحانه وتعالى بالتغيير وعجل بنهاية الملك الجبري؟   ج1
January 17, 2012

هل أذن الله سبحانه وتعالى بالتغيير وعجل بنهاية الملك الجبري؟ ج1


1. لم يكن من الممكنِ طرح هذا السؤال قبلَ بدايات هذا العام 1432هجرية الموافق 2011 ميلادية، بل كان الحديثُ عن هذا الموضوع من بابِ الخُرافة والحُلم، إن لم يكن من بابِ المستحيلات في رأي كلِّ من ينظرُ إلى الأمور بنظرةٍ ماديةٍ تستندُ إلى واقع العالمِ العربي، والسببُ وراءَ ذلك يكمنُ في أن أنظمة الجبرّ كانت ضاربةٌ جذورها في الأعماق، وجاثمةٌ على قلوب الشعوبِ التي تُحكِم قبضتها عليها بالحديد والنار، كانت تزرعُ عيونها في كل مكان فتقبض على كل من همَّ بالمس بنظامها المقدس، أو سولت له نفسهُ انتقادَه، كانت تأمر وتنهى وتحكمُ وفق هواها كما تشاء دونَ حسيبٍ ولا رقيب.


ولكن سنة التغييرِ هي من سنن الله تعالى، وقد تحدث بلمح البصر، وهي ممكنة مهما كانت قوة تلك الجيوش وولاؤها للحكام، ووعدُ الله قائم للمخلصين بالتمكين. قال تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}. (آل عمران 26).


2. أمام هذا الوضع وجد العلماء والدعاة ومعهم الحركات الإسلامية والجمعيات الحقوقية وذوو المروءة من الأحزاب السياسية أنفسهم عاجزين عن تفسير هذا الواقع المرير ولكن ابتداء من بدايات هذا العام أتى أمر الله على هذه الأنظمة، فصيرها ريشة في مهب الريح على يد حركة تغييرية شبابية أحرجت أجيالاً سبقتها لم تستطع إحداث هذا التغيير على الأنظمة العربية فتحولت الفيلة الضخمة إلى جرذان، والذئاب المكشرة إلى قطط وديعة، وانقشع الغبار فاكتشف كل واحد من الحكام أنه كان يركب حماراً أعرج أجرب بعدما كان يتوهم أنه يمتطي جواداً أدهم، وانقلبت عزته إلى ذلة وقوته إلى ضعف ومهانة.


إن زمناً هيمنت فيه المادة، وأصبح كل شيء فيه يقاس بمقاييس مادية من السهل أن ينسى علماؤه، أو على الأقل يتناسوا حديثاً مهماً جداً رسم فيه محمد صلى الله عليه وسلم الخط السياسي لأمته منذ عصر النبوة إلى قيام الساعة.


3. وفي ظل هذا الحراك السياسي الذي نعيشه حالياً عاد بعض العلماء إلى تناول هذا الحديث، وسوق بشاراته العظمى للشعوب الثائرة من أجل التغيير.


نص الحديث:


أ- ( قال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود الو اسطي وكان ثقة سمعت حبيب بن سالم سمعت النعمان بن بشير بن سعد قال: كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبو ثعلبة فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء وكان حذيفة حاضراً مع بشير فقال حذيفة : أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تكون فيكم النبوة ما شاء أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم تكون ما شاء أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون،ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).


ب- ثم في حديث مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: ( أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة)، فيكون حديث الخلافة تفصيلاً لما ورد مجملاً في هذا الحديث.


إن هذا الحديث موجود في مسند أحمد بن حنبل، والبحرِ الزخارِ بمسند البزار، وكشف الأستار لنور الدين الهيثمي، ومسند أبي داود الطيالسي، ودلائل النبوة للبيهقي وإتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبصيري، كما صححه الألباني في السلسلة الصحيحة.


وبما أنه صح قوله صلى الله عليه وسلم كان التسليم والتصديق به تحصيل الحاصل، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم عصمه الله تعالى في قوله : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) الآية3، 4 النجم.


ج_ إن معاني الحديث، (ملكاً عاضاً)، العض هو الشد بالأسنان على الشيء وأصل العضيض اللزوم وهو كناية عن شدة الاستمساك بأمرٍ ما ولزومه ولزق به.


د- أما (مُلكاً جبرياً) فهو من الإجبار وهو القهر والإكراه، وانطلاقا من هذا المعنى للملك الجبري لن نكون مبالغين إذا قلنا بأن عصرنا هذا هو عصر الجبر، كيف لا والحكام يحكمون بالحديد والنار، ويورثون الحكم لأبنائهم رغماً عن الشعوب، كيف لا والحكام مرضى بالكراسي يبذلون الغالي والنفيس من أجل البقاء عليه، ويحشدون الدعم الأجنبي لذلك حتى ولو تطلب الأمر تقديم الطاعة والولاء لأعداء الأمة من أمريكان ويهود.


4. وها هي الأمور قد تغيرت بين عشية وضحاها فقد حُدَّ من سياسةِ تكميمِ الأفواهِ بعد سقوط أنظمة الجبر. وقضي على الخوف وعاد إلى الأحضان من نفتهم الأنظمة لسنوات عقاباً لهم على كلمة حق عبروا عنها، وخرج من السجون أناسٌ رمتهم أيادي الأنظمة الظالمة في غيابات الهجر بسبب رأي سياسي عبروا عنه وأتيحت الفرصة أمام الحركات الإسلامية والأحزاب الإسلامية مثل حزب التحرير الذي يدعو للخلافة على منهاج النبوة منذ نشأته - لتوصل كلمتها إلى الناس مباشرة.


5. الآن وأمام هذا التغيير الذي فاجأ الجميع، هل يمكن القول بأن نجم الخلافة الثانية على منهاج النبوة قد لاح بالأفق؟. وهل يكون هذا الحراك هو الإرهاصات الأولى لمخاض سيسفر عن المولود الذي تنتظره الأمة بشوق؟


6. إن إقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة قد بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا فضلاً عن كونها أمراً من أوامر المولى جل وعلا، يجب على كل مسلم أن يبذل قصارى جهده لتنفيذه.


أ- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها). رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وهذا لم يحدث إلى الآن، حيث إن هناك بلاداً لم يفتحها المسلمون في عصر مضى إلى الآن وسوف يحدث إن شاء الله.


ب- يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عز يعز به الله الإسلام وذلٍ يذل به الكفار). رواه أحمد والطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.


جـ - وهنا نذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم :أمتي أمتةٌ مباركة لا تدري أولها خيرٌ أم آخرها). رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان وأشار السيوطي إلى حسنه.


7. أ- ورد عن حذيفة رضي الله عنه حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تكون النبوة ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون فيكم ما شاء أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله إذا شاء أن يرفعه، ثم تكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل في الناس بسنة النبي ويُلقي الإسلام جرانَهُ في الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرٍ إلا صبته مدرارا، ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئاً إلا أخرجته). رواه العراقي من طريق أحمد وقال هذا حديث حسن صحيح.


ب- أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بسند صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( لو لم يبقى من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلما).


وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه فقلنا يا رسول الله صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: العجب أن أناساً من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم فقلنا يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس، فقال: نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلِكون مهلِكاً واحداً ويَصدُرون مصادرَ شتى يبعثهم الله عز وجل على نياتهم). هذه رواية مسلم.


نكتفي أيها الإخوة الكرام إلى هنا في هذه الحلقة ونتابع ما تبقى من هذا الموضوع والذي أرسله لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير الأستاذ هاني البطاينة ( أبو أيمن ) جزاه الله خيرا في الحلقة القادمة إن شاء الله ومع المراحل التي مرت بها الأمة الإسلامية في تاريخها، إلى ذلك الوقت نستودعكم الله .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.