هلموا إلى جنة عرضها السموات والأرض
April 07, 2011

  هلموا إلى جنة عرضها السموات والأرض

إن حالة الذلة والمهانة التي عاشتها الأمة الإسلامية بشموليتها وبشكل عام لم تسبق من قبل، تجلت هذه الحالة في تفكك أمة الإسلام إلى دويلات كرتونية هزيلة، أحاطوا كل كيان منها بسور وهمي أسموه وطناً، وجعلوا له علماً وعملة وجواز سفر مختلفاً، وحدوداً معترفاً بها دولياً، ونصبوا على كل كيانٍ منها عصابة يترأسها كبير اللصوص والقتلة، أسموه ملكاً أو أميراً أو شيخاً أو رئيس جمهورية، ومهما اختلفت التسميات والأوصاف لكن الوصف الرئيس الذي هو (رئيس العصابة) لم يفارقه.

ومن المعروف أن العمل الرئيس للعصابات إنما هو السلب والنهب والبلطجة، ولكن هذه النسخة المطوّرة من العصابات أضيفت إليها مهام أخرى حتى تنال صفة الشرعية الدولية (الشيطانية)، وهي جعل هذا الكيان الكرتوني المسمى وطناً، والذي يترأسه رئيس العصابة جعله تابعاً للدول الكبرى، تفرض على الشعب (السجين) داخل حدود هذا الوطن ما تريد من سياسات، وتفرض عليه أن يطبق نظاماً ليس من جنس عقيدته، وتعطي نفسها حق التصرف بثروات هذا البلد وامتصاص دماء أبنائه.

طبقت هذه العصابات على هذه الكيانات الكرتونية أنظمة كفر تناقض عقيدة الأمة، واستوردت لأجل ذلك دساتير الغرب مما تفتقت عنه عقليات الغربيين الناقصة.

وفعلت هذه العصابات فعلها في الأمة تمزيقاً وتفتيتاً، وجعلوا أهلها شيعاً، يضرب بعضهم بعضاً، ويبغض بعضهم بعضاً، ليستمر بقاء رؤساء العصابات هؤلاء على رقاب الأمة متسلطين.

ونهبوا ثروات الأمة من الملكيات العامة، وملأوا بها جيوبهم وأرصدة حساباتهم في مصارف دول الغرب، وفرضوا الضرائب الباهظة على الناس، فأرهقوا كواهلهم، وتمكنوا نتيجة لذلك من استعبادهم، وجعلوهم يلهثون وراء الرغيف ولا يدركونه، ليحجروا عليهم التفكير في غير الرغيف، وحصروا تفكيرهم في أضيق أنواع التفكير، وهو التفكير بالعيش.

وعلى قانون أن الضغط يولّد الانفجار

انطلقت الشرارة الأولى من تونس

لتتولد منها الحركة القوية، وتمتد هذه الحركة وتتسع وتكبر، وهنا يحسُّ رؤساء العصابات بالنار تحت أقدامهم، وبالخطر يتهدد كياناتهم الهزيلة، فكشّروا عن أنيابهم، وانكشفت الحقيقة التي ذكرناها أعلاه، لينكشفوا لشعوبهم على أنهم رؤساء عصابات وليسوا حكاماً ولا أمراء ولا شيوخاً ولا رؤساء جمهوريات، بل انكشفت حقيقتهم لكثير من أبناء الأمة، وظهر وجههم الحقيقي، وجه رئيس العصابة صاحب النهب والسلب لتنكشف الثروات التي جمعوها من أموال الأمة، وخزنوها في خزائنهم وفي مصارف الغرب، ولينكشف عدد ضحاياهم، وتنكشف مؤامراتهم ضد الأمة، وتنكشف السجون عن الآلاف وعشرات الآلاف من سجناء الرأي، ممن كان لا يعرف عنهم شيء قبل ذلك، انكشفت لكثير من أبناء الأمة صلاتهم بالغرب، واعتمادهم عليهم، وانتظارهم إشارة من هذا الرئيس أو ذاك، بل انكشف كثير من علاقاتهم مع الكيان المحتل لفلسطين أرض المسلمين، وحمايتهم له.

وأخيراً انكشف القناع الذي كان يستر أيديهم، لتظهر ملطخة بدماء أبناء الأمة، ولتدرك الأمة أن رؤساء العصابات هؤلاء لا يتورعون عن صناعة المجازر، وإراقة دماء أبناء الأمة، مهما بلغ عدد الشهداء منهم، ومهما بلغ عدد الجرحى، حتى لو ضاقت بجرحاهم المستشفيات، وضجت المقابر من ضحاياهم، فليس من ذرة إحساس أو إنسانية لديهم، وأخيراً... أدركت الأمة هذا، وقد كان صوتنا قد بُحَّ ونحن نناديهم، وكنا بالنسبة لهم كالنذير العريان، نحذرهم العدو الحقيقي، لكن حالة الغفلة كانت طاغية ومهيمنة ومسيطرة عليهم.

وشاء الله تعالى أن تنكشف الغمة، وتزول الغشاوة عن عيون أبناء الأمة، ليروا الحقيقة

وشاء الله تعالى أن تنزع الأمة إهابَ الذلة والمهانة، وتتخذ من الشجاعة والقوة والإرادة شعاراً، ومن التعلّق بالله تعالى والتوكل عليه والثقة به دِثاراً، وانطلقت شرارتها، ليحرق لهيبها وجوه أولئك الرؤساء، رؤساء العصابات، وأخذت الأمة تدوس هذه العصابات، لتخلعها إلى غير رجعة بإذن الله.

لا بد هنا أن ننفث في روع الأمة، ما نفثه روح القدس جبريل عليه السلام في روع حبيبه وحبيبنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، أن نفسا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها، فكما قالوا في نداءاتهم: (بعد اليوم ما في خوف)، وقد عرفوا أن خوفهم لم يكن حقيقياً، وإنما كان نتيجة لبعضٍ من غفلة رانت على القلوب، وآن لها أن تنقشع مولّيةً إلى غير رجعة بإذن الله تعالى.

لِمَ الخوفُ يا أمةَ الإسلام؟

أوليسَ اللهُ تعالى هو الخلاقَ الرزاقَ؟

أوليسَ اللهُ تعالى هو المحييَ المميتَ؟

أولستم توقنونَ أن لن تموت نفسٌ حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؟

أولستم تؤمنون أنه لن يصيبنا إلا ما كتب اللهُ لنا؟ فما يقع على المؤمن من سجن أو تعذيب أو أذى أو شدةٍ إنما هو بتقدير الله تعالى ليمحص قلوبنا؟ وأنه لن يردّه خوف أو جبنٌ، ولن تأتيَ به شجاعةٌ أو جرأةٌ في الحق؟

أولستم تعلمون أنهم يألمون كما تألمون؟ ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون؟ أولستم ترجون جنةً عرضها السموات والأرض؟ وهم لا يرجون أكثر من هذه الدنيا الفانية، التي لم يخطئ من وصفها حين وصفها بالجيفة النتنة القذرة؟

دعونا نسمع في نهاية حديثنا هذا، هذه الآيات الطيبات المباركات، التي تضع البلسم الشافي على الجرح الغائر، وتشفي نفوس المؤمنين، وتذهب غيظ قلوبهم، ويطمئنون إلى ما عند الله تعالى من خير وفضل ونعمة:

{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {20}سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ {21} مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ {22} لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {23} الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ {24}لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ {25}

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير

أبو محمد خليفة

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.