إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- السلاجقة
October 15, 2009

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- السلاجقة

لا بد من الإقرار أن كثيرا من شباب المسلمين يجهلون تاريخهم المجيد، ويظنون أن التاريخ الإسلامي توقف بعد العصر العباسي الأول، حتى أن بعضهم يجهل تماما تاريخ السلاجقة في بلاد الشرق، والمرابطين في بلاد المغرب، ولولا الحروب الصليبية ما كان هؤلاء يعرفون عن الزنكيين ولا الأيوبيين شيئا,شيئا يستحق الذكر، كما أنه لولا معركة عين جالوت، ما كانوا يعرفون عن المماليك شيئا أما الأتراك العثمانيون أو الخلافة العثمانية، فالكثير من مثقفي زماننا يصفونهم بأبشع الأوصاف التي لا تليق بهؤلاء الأبطال.. إن جهلنا أو جهل الكثيرين منا أيها السادة بتاريخ أولئك المجاهدين، يعتبر كارثة فكرية وثقافية وإنه وإن كان هناك بعض العذر لشبابنا في الماضي بسبب التخلف الفكري الذي ابتلينا به في العصور الأخيرة، وبسبب الهجمة الفكرية والعسكرية الشرسة التي داهمنا بها الاستعمار الغربي وانتصر بها علينا فأخضعنا لفكره وجعلنا أيتاما على موائده اللئيمة فعبث بتاريخنا، وفرض علينا مناهج تعليم تخدم غرضه، واختار لنا من الثقافة ما يطيل سيطرته، وأخضعنا لحكام لئام من أبناء جلدتنا، باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، همهم سلطان زائف وخضوع ذليل لأسيادهم المستعمرين. قلت إن كان هناك عذر لشبابنا في القرنين الأخيرين فليس لشبابنا الآن عذر في استمرار هذا التخلف وهذا الجهل، فقد انكشف عوار الرأسمالية العفنة، وأصبحت رائحتها تزكم الأنوف، بل وأصبح احتكاكنا بالكافر المستعمر يلزمنا بالعودة إلى الجادة المستقيمة فلقد انكشف كذب ودجل الكافر المستعمر، ولن يكون هناك عذر لمتعذر ولقد ظهرت تباشير خير تنبئ بيقظة فكرية لا بد أن نرعاها، حق الرعاية لتقوى وتسود لنتمكن بعدها من سحق الباطل وأهله، وتحرير البلاد والعباد من الكفر والكافرين، وعليه فتعالوا معي نطل على إضاءة رائعة، على تاريخ السلاجقة المجيد، وقد أردت أن أبدأ بخطاب رائع للسلطان ألب أرسلان في جنوده، قبيل معركة ملاذكرد سنة 463هـ الموافق لسنة 1070م يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة سنة 463 هـ بعد أن صلى الجمعة بعسكره. دعا الله وابتهل، وبكى وتضرع، فجيش المسلمين أقل من عشرين ألفا، وجيش الروم البيزنطيين أكثر من 250 ألفا، اسمعوا ما قال: نحن أقل من القوم بكثير وأريد أن أجاهدهم في هذه الساعة التي يدعو فيها المسلمون لنا على المنابر فإما أن أبلغ الغرض وأنتصر وإما أن أمضي شهيدا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبا بالعافية فما ها هنا سلطان يأمر، ولا عسكر تؤمر، فإنما أنا اليوم واحد منكم وغازٍ معكم فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة، أو الغنيمة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة. فقالوا جميعا: مهما فعلت تبعناك وأعناك. فبادر ولبس البياض وتحنط استعداداً للموت وقال إن قتلت فهذا كفني، ثم وقع الزحف بين الطرفين ونزل ألب أرسلان عن فرسه، ومرغ وجهه بالتراب وأظهر الخضوع والبكاء لله تعالى وأكثر من الدعاء، ثم ركب فرسه، وحمل على الأعداء، وصدق المسلمون القتال، وصبروا وصابروا حتى زلزل الله الأعداء، وقذف في قلوبهم الرعب، فولوا هاربين ونصر الله المسلمين، وقتلوا من الكفار مقتلة عظيمة، وأسروا منهم جموعا كان على رأسهم إمبراطورهم.

هذه خطبة سلطاننا ألب أرسلان هذه مواقف سلفنا ألب أرسلان، هذا هو المجد بعينه بل هذا هو الفخار بعينه، هذه هي العظمة بعينها تلبس البياض يا سلطاننا ليكون كفن لك وتتحنط تحنط الموتى، ألم تعلم يا سلطاننا أنك لو قضيت شهيدا لا تغسل ولا تكفن ولا يصلى عليك فشهادتك تغنيك عن كل هذا، شهادتك لو قضيت شرف ومجد لك في الدنيا والآخرة وحياة ترزق بها عند ربك تتحنط لتلقى ربك يا سلطاني العظيم ودمك لو لقيت الله شهيداً يكون لونه لون دم ولكن ريحه ريح مسك، وأنتم يا شباب السلاجقة يا من كان يقارب عددكم العشرين ألفا لم يتخلف منكم رجل واحد عن خوض غمار الوغى ومواجهة الموت الزؤام لم تتركوا سلطانكم الجليل والله أنكم كنتم حقا صبر في الملمات صدق عند اللقاء فهل يتخلى الله عنكم كلا وألف كلا، ألم تقرأوا يا شباب السلاجقة قوله تعالى: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) لقد كنتم جديرين بهذا النصر، جديرين بهذا الفخر، بل ونحن في هذا العصر وكل عصر نعتبركم سلفا صالحا وقدوة حسنة، والله إنكم لجديرون بهذا.

ولنكمل ما فعله سلطاننا مع عدوه الذي عرض عليه الصلح والسلم والعافية قبل المعركة، فأبى بصلف شديد قائلاً: لا صلح إلا في الري، يعني لا صلح إلا بعد سحق السلاجقة، ودخول عاصمتهم الري، التي تقع الآن قريبا من طهران في إيران، يؤتى بالإمبراطور الأسير، ويضربه ألب أرسلان بمقرعة قائلاً: ويلك ألم أبعث أطلب منك الهدنة؟ قال الإمبراطور: دعني من التوبيخ قال ألب أرسلان: ما كان عزمك لو ظفرت بي؟ قال الإمبراطور: كل قبيح قال ألب أرسلان: فما تؤمل وتظن بي؟ قال الإمبراطور: القتل أو تشهر بي في بلادك، والثالثة بعيدة، وهي العفو وقبول الفداء، قال ألب أرسلان ما عزمت على غيرها يعني العفو وقبول الفداء ففدى الإمبراطور نفسه بمليون ونصف المليون دينار ذهبا، فأطلق السلطان سراحه، وزوده بما يوصله عاصمته، فوجد قومه قد عزلوه، وعينوا إمبراطوراً مكانه فأخذ يجمع الفدية، فجمع ثلاثمائة ألف دينار وأرسلها لألب أرسلان معتذرا عن عدم استطاعته جمع ما تبقى منها، وما لبث قومه أن سملوا عينيه، ثم لم يطل به العيش فمات حزنا وكمدا.

هذه فعال أسلافكم أيها السادة، في الحرب أسود ضارية، وعند المقدرة أهل للعفو، لم يقتل سلطاننا أسراه، وبخاصة أسيره الصلف، والشرع يجيز له قتله ولكنه أبى إلا العفو فهذا ديدن أسلافكم أيها السادة.

هذه معركة ملاذكرد التي لا بد من معرفة نتائجها العظيمة، فمن نتائج هذه المعركة أن ترسخت أقدام الإسلام والمسلمين في آسيا الصغرى، وضمت إلى أرض الإسلام في آسيا الصغرى وما حولها شرقا ما يزيد على أربعمائة ألف كيلو متر مربع، وأصبح الإسلام في آسيا الصغرى في علو وظهور، والبيزنطيون في انحدار وضعف، إذ لم يقو البيزنطيون بعد ملاذكرد أن يقاتلوا المسلمين في معركة يعتد بها، فمعركة ملاذكرد كانت من المعارك الفاصلة في التاريخ لا تقل في عظمتها عن اليرموك والقادسية، ويكفي أن نعلم من نتائجها استنجاد البيزنطيين بأوروبا لخوفهم من السقوط السريع تحت سنابك خيل المسلمين، وأدركت أوروبا الخطر فأخذت تعبئ نفسها لنجدة البيزنطيين، وسحق المسلمين والاستيلاء على بيت المقدس، فكانت نتائج ملاذكرد بداية للحروب الصليبية.

ولعلكم أيها السادة تطلبون المزيد والمزيد من تاريخ السلاجقة المشرق، فالسلاجقة أيها السادة أتراك من قبيلة الغز خرجوا من آسيا الوسطى (بلاد التركستان) بقيادة أميرهم سلجوق الذي سموا باسمه، وكونوا إمارة بلغت شأنا عظيما وأدخلت تحت سلطانها بلادا واسعة من أواسط آسيا شرقا حتى بلاد الشام وآسيا الصغرى غربا وقد استنجد بهم الخليفة العباسي سنة 467هـ الموافق 1074م لتخليص الخلافة العباسية من سيطرة وفتن البويهيين الذي هموا بالقضاء على الخلافة العباسية وضم العراق وغيرها من أراضي شرق البلاد الإسلامية إلى ما سمي زورا وبهتانا الخلافة الفاطمية في مصر والشام، تقدم السلاجقة بكل إباء وشمم بقيادة أميرهم أرطغل ولبوا نداء أمير المؤمنين فقضوا على البويهيين وأعادوا الاستقرار للعراق، ولم يكتفوا بذلك بل طاردوا القرامطة، وقضوا عليهم وأنقذوا البلاد والعباد من فجورهم وطغيانهم، ووقفوا كالطود الشامخ في وجه أطماع الدولة الفاطمية، وساهموا في إعادة ولايات عديدة للخلافة العباسية ولم يقتصر عملهم وفضلهم على الفتح والجهاد، وإنما كان لهم قصب السبق في نشر الوعي في مختلف أرجاء سلطنتهم بمئات المدارس التي افتتحها الوزير العظيم نظام الملك، في عهد كل من ألب أرسلان وابنه ملكشاه، لقد تركوا مآثر عظيمة وتخرج على أيديهم أجيال وأجيال كان لها دور فذ في القضاء على البدع والخرافات والانحراف المذهبي وإعادة المسلمين إلى صفاء العقيدة ونقائها، ولا تزال المدارس التي سارت على منهاج مدارس نظام الملك، تسمى المدارس النظامية.

بقي أن نذكر أيها السادة ما آلت إليه حال سلطنة السلاجقة، فلقد ضعف أمر السلاجقة بعد وفاة ملك شاه واغتيال الوزير العظيم نظام الملك وانقسم السلاجقة على أنفسهم فقسم بقي مسيطرا إلى حين في شرق سلطنتهم في خراسان وما وراء النهر وقسم تولى أمر شمال العراق والشام والقسم الثالث وسمي سلاجقة الروم تولى أمر آسيا الصغرى وقد انتهى أمر سلاجقة الشرق سنة 536هـ الموافق سنة 1128م أما سلاجقة الشام وشمال العراق فقد بقي بعضهم حتى سيطرة الزنكيين على المنطقة في عهد نور الدين زنكي وأما سلاجقة الروم فظلوا حتى نهاية القرن التاسع الهجري، الموافق لأواخر القرن الخامس عشر الميلادي وعلى الرغم من ضعف سلاجقة الروم، إلا أنه كان لهم دور في الحروب الصليبية إذ سحقوا الحملة الصليبية الأولى التي سميت بحملة العامة، لقد كان عهد السلاجقة عهد خير وبركة ولقد مهدوا في أواخر حكمهم شمال العراق لظهور السلطنة الزنكية بقيادة عماد الدين زنكي ثم ولده نور الدين زنكي اللذين ضربا أروع الأمثلة في الإخلاص والدأب على توحيد كلمة المسلمين، لمقاومة الهجمة الصليبية الشرسة. فرحم الله أسلافنا السلاجقة وجزاهم الله خيرا عن المسلمين جميعا.

أيها السادة: إن تاريخ السلاجقة المجيد وجهادهم العظيم وحرصهم على توحيد الأمة وتنقية أفكارها لهو صفعة في وجوه هؤلاء الرويبضات الذين ابتلينا بهم وهم أيضا حافز للعاملين المخلصين المتمسكين بدينهم فالنصر والمجد لا يكون بسبب كثرة أو قوة وإنما النصر من عند الله فنصر الله شرط لتحقيق وعد الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).

فالله نسأل أن يجعلنا ممن ينصر الله بإقامة شرعه وإشادة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة إنه تعالى قوي عزيز وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.