كلمة- كيف نبني وكيف نهدم
October 15, 2009

كلمة- كيف نبني وكيف نهدم

مستمعِي إذاعةِ المكتبِ الإعلاميِّ لحزبِ التَّحريرِ - نحيِّيكُم بتحيَّةِ الإسلامِ ، فالسَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعَالَى وبركاتهُ ، موضوعُنا اليوم - يا كرام ، بعنوان " كيفَ نبني وكيفَ نهدمُ " حيث يركِّزُ عَلى أهمِّيةِ بناءِ الشَّخصيَّةِ الإسلاميَّةِ بناءً قوياً منْ ناحيةٍ نفسيَّةٍ وعقليَّةٍ ، بناءً لا يُهدَمُ ولا يهتزُّ منْ أقلِّ إغراءٍ فتكون الشَّخصيَّةُ شخصيَّةً مبدئيَّةً لا تتنازلُ ولا تتهاونُ ولا يغيِّرُها ظرفٌ ولا مكانٌ . فاهلا وسهلا بكم .

يتوقَّفُ سلوك الإنسان عَلى نَوعيَّةِ الأفكارِ التي يحملُهَا ، فالأفكارُ هيَ التي تتحكَّمُ في سلوكِ هذَا الفردِ . وتصرُّفاتهِ لا تكونُ إلا عَلى أساسِ فكرةٍ معيَّنةٍ ومفاهيمَ يحملُها ويكون مقتنعاً بها ، فتَّغييرُ سلوكهِ يعتمِدُ على تَغييرِ افكاره. لذلك يكون على الفرد تنقية أفكاره والإرتقاء بها حتى يبتعِد سلوكه عن الهَمَجِيةِ ، و أوَّلاً عَلينَا تحديدُ ما يستحقُّ أنْ نبنِيَهُ فهلْ لنبنِيَ شخصيَّةً إسلاميَّةً مميَّزةً نحتاجُ إلى أخلاقٍ حميدةٍ أو لقلبٍ رحيمٍ ، أم نحتاجُ لقيادةٍ حازمةٍ وانضباطٍ ووجهٍ قاسٍ ، لا يهمُّهُ أحدٌ منْ حولهِ ؟ أم نترك هذهِ الشَّخصيَّةَ كالرِّيشةِ يتقاذفُها الهواءُ ، لا نضع لها حدوحا فتصبح محتارةً متردِّدةً مقلِّدةً للآخرينَ ؟ فما هيَ معالِمُ الشَّخصيَّةِ الإسلاميَّةِ القويمةِ وأيُّ الأفكارِ نشجِّعُ ونبنِي لنقوِّيَها وأيُّ أفكارٍ نهدمُ فيها حتَّى لا تُوهنَها . فلا بدً مِنْ أساسٍ نبني عليهِ ونماذجٍ نأخذُ منْها العبر. وكلمةُ بناءٍ تعنِي التَّقدُّمَ والزِّيادةَ والتَّطوُّر ، فالتَّغييرُ إلى الأحسنِ يلازمُ معناهَا ، وفِي كِلتَا الحالتينِ نحتاجُ لبذلِ مجهودٍ أصعبُه عندَ البناءِ وأسهلُه عندَ الهدمِ . فلا بدَّ لنَا إذاً مِنْ مقياسٍ لنقيسَ عليهِ هذَا التَّغييرَ ولا بدَّ لنَا منْ موجه لنعلمَ كيفَ نبني وكيفَ نهدمُ وأنْ يكونَ عندَنا مادَّةٌ ومعلوماتٌ لعملية البناء والهدمِ . فللشَّخصيَّةِ الإسلاميَّةِ مقياسٌ مميَّزٌ تستندُ إليهِ ألا وهوَ العقيدةُ الإسلاميَّةُ العقليَّةُ ، اساسها إستخدام العقل والتفكير والتدبر في واقع هذهِ الحياةِ ، فيجبُ علينَا الاطِّلاعُ عَلى واقعِ هذَا الإنسانِ الذِي نريدُ بناءَ شخصيَّتِه الإسلاميَّةِ ، لذلكَ يجبُ الوقوفُ عَلى طبيعةِ هَذا الإنسانِ منْ ناحيةِ أنَّه إنسانٌ ، مخلوقٌ لخالقٍ عظِيم ، له أفكارٌ ومشاعرٌ ، ويعيشُ في مجتمعٍ وله علاقاتٌ كثيرةٌ معَ مَنْ حولَهُ بالإضافةِ إلى خضوعِ هذَا الفردِ وهذَا المجتمعِ لأفكارِ ومشاعرِكلِّ مَنْ يعيشُونَ فيهِ ، وهم أيضا يخضعُونَ إلى قوانينَ تُفرَضُ عليهِم مِنْ قِبَلِ النِّظامِ الحاكمِ .

نظرة على واقعِ الإنسانِ وطبيعتِه :

للإنسانِ ثلاثُ غرائزَ وضعَها الله تعالَى فيهِ ، غريزة التَّديُّنِ وغريزةُ البقاءِ وغريزةُ النَّوعِ ، هذهِ الغرائزُ ينتجُ عنهَا مظاهرُ مختلفةً تكوِّنُ مشاعراً يشعرُ بها هذَا الإنسانُ ، مثلاً مشاعرُ الخوفِ والغيرةُ والتَّنافسُ منْ مظاهرِ غريزةِ البقاءِ ، بينمَا مشاعرُ الفرحِ لولادةِ مولودٍ أو مشاعرُ الحزنِ عَلى منْ توفي ، مظهرانِ منْ مظاهرِ غريزةِ النَّوع ِ، وأخيراً مشاعرُ النَّقصِ والعجزِ والحاجةِ إلى الأمنِ والاطمئنانِ في هذهِ الحياةِ هي مظاهرُ لغريزةِ التَّديُّنِ . فالمشاعرُ الفيَّاضةُ التي تجتاحُ هذَا الإنسانَ لا شكَّ أنَّها تدفعُهُ للتَّصرُّفِ حيالَ تلكَ المشاعرِ ، في مُحاولةٍ منَ الإنسانِ لإشباعِ هذهِ الغرائزِ التِي إنْ لم تُشبَعُ الإشباعَ الصَّحيحَ ،لم يشعرِ الإنسانُ بالسعادةِ ، وإذا تركَ الإنسانُ هذهِ المشاعرَ تتحكَّمُ بهِ صارتْ أفعالهُ ردودَ أفعالٍ ، كثيراً ما تُوقعُهُ في شرِّ أعمالهِ ، وللإنسانِ عقلٌ يفكِّرُ بهِ و يوجِّههُ فِي الطَّريقِ المستقيمِ ، ولا بدَّ أنْ يكونَ هذَا العقلُ هوَ المتحكِّمُ في هذهِ المشاعرِ وذلكَ مثلُ الفارسِ الذِي يوجِّهُ حصانَهُ بواسطةِ اللِّجامِ ، فمنْ غيرِ هذا الفارسِ يركضُ الحصانُ في اتِّجاهاتٍ عدَّةٍ مِنْ غيرِ هدىً ، وعندَما يُلجمُه الفَارسُ ، يوجِّههُ في طريقٍ واحدٍ ، الطَّريقَ الصَّحيحَ . فالتفًكيرُ قبلَ الإقدامِ على أىُّ عملٍ هوَ الأساسُ عِند هذهِ الشًخصًيةِ والبحثُ عن الحكمِ الشرعي فيهِ ، فمقياسُ أعمالِنَا هوَ الشَّرعُ فقطْ ولا شيء غيرُ الشَّرعِ ، فلا بدَّ للبناءِ والهدمِ عَلى أساسِ قاعدةٍ فكريَّةٍ قويَّةٍ مبدئيَّةٍ واضحةٍ لا لبسَ فيهَا هي الأساسُ لكلِّ فكرةٍ ومفهومٍ وسلوكٍ ، تقتنعُ بهِ هذهِ الشَّخصيَّةُ الإسلاميَّةُ وتتصرَّفُ عَلى أساسِهِ وتكُونُ مصدراً كافياً ووافياً لطريقةِ البناءِ والهدمِ وتوجِّهنَا التَّوجيهَ الصَّحيحَ . فكلها أحكامً شرعيةً تنبثقُ عنْ مفاهيمٍ تقنِعُ العقلَ وتوافقُ فطرةِ الإنسانِ فالنتيجةُ شخصية متميزة منضبطة وسلوكها سوي يرضى عنه الخالق جلّ وعلا . ولا بد للبناء من هدم والعكس صحيح ويبدأ من نعومة أظفار هذا المخلوق ... الإنسان .

ومثل ذلك عند قيامُ الأطفالِ بالعباداتِ والتزامُهم بالأحكامِ الشَّرعيَّةِ .

نسمعُ منَ الأمَّهاتِ كثيراً أنَّ الصِّيامَ صعبٌ للطِّفلِ وأنَّ القيامَ لصلاةِ الفجرِ وترك الطِّفلِ نومَه ، فيهِ مشقَّةٌ لهُ فيحنُّ قلبُ الأمِّ لهُ ولا توقظُهُ مخافةَ إزعاجِهِ . وأخرى تمنعُ ابنَها منَ الصِّيامِ أو تمنعُ ابنتَها منَ ارتداءِ الزِّيِّ الشَّرعيِّ معَ إلحاحِ تلكَ البنت أو ذاكَ الصَّبيُّ لتأديةِ هذهِ العبادةِ ، فيقفُ الوالدانِ أو الأمُّ في أكثرِ الأحيانِ وبدُونِ سببٍ مُمانعِينَ لتأديةِ الابنِ والابنةِ هذَا الفرضِ بِحُجَّةِ أنَّه لم يُكلَّفْ بهِ بعدُ وبِحُجَّةِ أنَّ صحتَه ضعيفةٌ وبِحُجَّةِ أنَّ هذهِ البنت ستمِلُّ منْ لبسِ الحجابِ عندمَا تكبرُ فتتركُه ، والحقيقةُ إنَّ ذلكَ الوالدَ يبني فِي طفلِه التَّكاسُلَ عنْ أداءِ العباداتِ ويهدمُ فيهِ شوقَه لعبادةِ الله تعالى ويهدمُ فيهِ مظهراً طبيعياً لغريزةِ التَّديُّنِ ، فلا بدَّ منْ تشجيعِ الأبناءِ والبناتِ عَلى العباداتِ وتعليمِهم طاعةَ الله تعالى بتطبيقِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ في سنٍّ صغيرةٍ فيبتعدُ الأولادُ عن الاختلاطِ بالبناتِ مثلا فينضبطُ تفكيرُهم وسلوكُهم بالشَّرعِ ، فنبني الالتزامَ ونهدمُ التَّهاونَ فتكونُ النَّتيجةُ شخصيَّةٌ إسلاميَّةٌ متميِّزةٌ تلتصقُ بأحكامِ الله تعالى التصاقاً ، ولعلهم يكونُون منْ هؤُلاءِ السَّبعةِ في حديثِ رسولِ الله _صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ_ أو لعلهم يكونُون كلّهم ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين " أخرجه البخاري ومسلم

ولنا عودةٌ قريباً بإذنِ الله وأتركُكُم في رعايةِ الله وحفظِه والسَّلامُ عليكُم ورحمةُ الله تعالى وبركاتُه .

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.