كيف نبني- ح2
October 22, 2009

كيف نبني- ح2

الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه والصلاةُ والسلامُ على رسولِه الصادقِ الأمينِ ،

تحيةٌ عطرةٌ إخوتي الكرام وأخواتي الكريمات في كلِّ مكانٍ. فالسلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُه .

كما أسلفنا - ايها الحضورُ الكرامِ - في الحلقةِ الأولى من موضوعِنا" كيف نبني وكيف نهدم " فإنّ هدمَ المفاهيمِ الفاسدةِ. وبناءَ المفاهيمِ الصحيحةِ يبدأُ منذُ الصغر، فالشخصيةُ الإسلاميةُ يحتاجُ صقلُها لجهودٍ كبيرةٍ ولمدةٍ قد تمتدُّ بطولِ عمرِ الإنسانِ، فكل يومٍ يمرُّ على الإنسانِ يتعلمُ شيئاً جديداً ، ولذلك يجبُ علينا التركيزُ على طريقةِ التفكيرِ، لأن الأفكارَ والمفاهيمَ تؤثرُ في سلوك الانسانِ. والناظرُ إلى حالِ المسلمينَ اليوم يستعجبُ من أمرِهم ! فاليومَ نجدُ الشخصياتِ من حولِنا قد أصبحت شخصياتٍ مترددةً في اتخاذِ المواقفِ، حائرةً متخبطةً ذات اليمينِ وذاتِ الشمال. ، فالكلُّ يشتكي من الإنتهازيةِ ومنِ التبلُّدِ ومن الجمودِ في المعاملاتِ، أو معاملات على غير أساسٍ ثابتٍ. سادتِ المجتمعاتِ الأنانيةُ والفرديةُ وغابَ التقوى من نفوسِ المسلمينَ، فاصبحت الغلبةُ للسلوكِ غيرِ المستقيمِ، فكثُرَ الكَذِبُ وأصبحَ التعاملُ على اساسٍ ماديٍّ. فمن له عندكَ مصلحةٌ ما، يصبحُ لك طائعاً، واما إذا قضى منكَ حاجتَه، فسرعانَ ما ينصرفُ ويغيّرُ معاملتَه ليساومَ بمصالحَ أكبر. فماذا جرى للمسلمينَ ؟

إن علاجَ مسألةِ التردد والتخبط، وتبديلِ المواقفِ، هو ببناءِ شخصيةٍ إسلاميةٍ ثابتةٍ على مواقفِها لا تتبدلُ ولا تتزحزحُ وذلك يحتاجُ الى العقيدة، ]يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ[ (27 سورة ابراهيم)، فمن يجعلُ الإسلامَ أساساً في تفكيرِه وعلاقتِه وأحكامِه وسلوكِه ومواقفِه، تجده ثابتاً كالطودَ، لأن حكمَ الله لا يتغير. فيضيفُ المرءُ قوةً على قوتِه، يهابُه الأعداءُ ويحترمُه الأصدقاءُ.

 طبعاً، للسطحيةِ في التفكيرِ تأثيرٌ بالغٌ في نوعيةِ الشخصيةِ، فمثلاً من يتدبّرُ ويُحللُ ويبحثُ بحثاً عميقاً فيما حولَه، متخذاً معلوماتِه من مصادرَ موثوقٍ بها (القرآنِ الكريمِ والسنةِ الشريفةِ)، ومن علماءَ مخلصينَ لهذا الدينِ العظيمِ، يبني مواقِفَه على أساسِ العقيدةِ الإسلاميةِ، ستكون أفكارُه ومشاعرُه صحيحةً. ثم تكونُ تصرفاتُه قويمةً. أما من يأخذُ فقط المعلومةَ الظاهرةَ بدونِ البحثِ في تفاصيلِ هذه المعلومةِ والإحاطةِ بكلِّ المعلوماتِ المتعلقةِ بنفسِ القضيةِ، بالإضافةِ إلى أخذِ هذه المعلومات من مصادرَ مغلوطة، وتكوين رأيٍ عنها ليتصرفَ على أساسِها، تصبحُ تصرفاتُه غيرَ مستقيمةٍ وغيرَ ثابتةٍ، لذلكَ يجبُ أن نبني في الشخصيةِ طريقةَ تفكيرٍ عميقةٍ مستنيرةٍ تبحثُ الأمورَ بوعيٍ وعلى أساسٍ ثابتٍ، دون كللٍ ولا مللٍ، ملتزماً بالقاعدةِ الفكريةِ، وبمصادرِ المعلوماتِ السويةِ ، ويجبُ أن نهدمَ السطحيةَ في التفكيرِ، فالسطحيُّ هو من يقبلُ ويقتنعُ بأفكارٍ لا يعلمُ مصدرَها، وليس لديه قاعدةُ فكريةٌ صحيحةٌ يبني عليها مواقفَه، ولا يفهم حقيقةَ الواقعِ، فتكون مفاهيمُه خاطئةً فيترددُ في سلوكِه فتراهُ متناقضاً. وللأسفِ الشديدِ هذا الواقعُ الفاسدُ اليوم قد أصابَ كثيراً من الأفرادِ وكلَّ التنظيماتِ والأحزابِ، ففي السودانِ مثلاً كان حقُّ تقريرِ المصيرِ لجنوبِ السودانِ خطاً أحمراً لا يقربَه أحدٌ. فرداً كان أو حزباً، ولكن لغيابِ الأساسِ الثابتِ، والقاعدةِ الفكريةِ لدى الأفرادِ والأحزابِ والتنظيماتِ أصبحَ ذاك الخطُّ الأحمرُ أبيضاً الآن. فاُرتُكِبَ الحرامُ ، أي جريمة تعريض بلادِ المسلمينَ لخطرِ التقسيمِ والتفتيتِ على ما هي عليها الآن. فازداد عبءُ المسلمينَ في توحيدِ الأمةِ في دولةٍ واحدةٍ هي الخلافة.

والأسوأُ أن تكونَ المشاعرُ عندَ إرتكابِ الحرامِ مشاعرَ متبلدةً باردةً. فتشوهُ القاعدةَ الفكريةَ التي يقُاسُ عليها. فبدلاً عن الحكمِ الشرعيِّ في المسألةِ المعينةِ، تُلوى النصوصُ وتُحرَّفُ المعاني ، لما يرونَ فيها من مصلحةٍ دنيويةٍ، بحجةِ أن هذا واقعٌ مفروضٌ ولن يتغيرَ، فمثل هذه الشخصيات تتسمُ بالأنانيةِ الشديدةِ. ولا يهتمُّ صاحبُها بأسرَته ولا بالمسلمينَ فيتكونُ مجتمعٌ سمتُه الأنانيةُ واللامبالاة ، والمصيبةُ في شخصياتٍ سطحيةٍ كهذه تديرُ نظامَ حكمٍ سِمَتُه الإنتهازيةُ والظلمُ وضياعُ حقوقِ الناسِ. هذا إن كان يفهمُ أنه يجبُ عليه الرجوعُ للعقيدةِ الإسلاميةِ لمعرفةِ الحكمِ الشرعيِّ في أفعالِه، فيختفي هذا الحاكمُ خلفَ بعضِ العلماءِ يُعلِّقُ عليهم سَقَطَاتِه وجرائمَه، وهو في الحقيقةِ يُبعد اللهَ تعالى عن حياتِه، ويفصلُ حكمَ الله تعالى عن أفعالِه. فتكون القاعدةُ الفكريةُ التي يقيس عليها هى فعلياً العلمانيةُ وإقصاءُ الإسلامِ عن الحكمِ . فمثل هذه الشخصيات، علينا بهدمِ الكثيرِ منِ المفاهيمِ الخاطئةِ في أذهانهم وأذهان من يتَّبِعونَهم ، فنهدمُ إنهزاميةَ التفكيرِ وتَقَبُّلَ الواقعِ المريرِ وإتّباعَ الشهواتِ ونهدمُ فكرةَ أنَّ ذلك مصدرٌ للتفكيرِ بل نسعى أن تكون موضعاً للتفكيرِ والتغييرِ . ونبني أنِ الحكمَ إلا للهِ وأن المصلحةَ في إتباعِ الشرعِ برغمِ ما يُتوهمُ عند البعضِ من ظروفٍ، وأن التمسكَ والإلتزامَ بالتقوى هو الأساسُ في التعاملِ مع الناسِ وأن طاعةَ اللهِ تعالى فوقَ طاعةِ أي إنسانٍ أو قانونٍ، فيأخذُ من الدنيا بالحلالِ ويجهزُ من الأعمالِ الصالحاتِ لآخرتِه. ويضعُ مرضاةَ الله تعالى نصبَ عينِه في كلِّ صغيرةٍ وكلِّ كبيرةٍ.

 فما بالكم بهذه الشخصيةِ المتميزةِ ، يرضى عنها ربُّها ويحبُها ويأمرُ العبادَ ومَنْ في السماءِ بحبِّها ، فلا أقلَّ من هذه الشخصياتِ التي تحتكمُ للشرعِ في نظامِ حكمٍ يحكُمُ بما أنزل اللهُ تعالى ويطبقُه من شخصيةٍ تقيةٍ، نقيةٍ، قويةٍ، شخصيةٍ ذاتَ فكرٍ مستنيرٍ وبصيرةٍ نافذةٍ، يضبطُ المجتمعاتِ والأفرادَ كما أراد لها اللهُ تعالى أن تكون. فهل تضيعُ بعد ذلكَ حقوقٌ؟ وهل يضيعُ بعد ذلك الإسلامُ ؟ وحينئذٍ ينصلحُ الزمان والمكان .

وصلي اللهم على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام والحمدلله رب العالمين دائما وأبدا

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

أم حنين

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.