كيف نبني وكيف نهدم - الحلقة السابعة - في ذم الكسل
December 17, 2009

كيف نبني وكيف نهدم - الحلقة السابعة - في ذم الكسل

الكسل.... كالْجُرثومَةِ القاتِلَةِ والداءِ الْمُميتِ يَمْنَعُ الشَّخصِيةَ مِنْ أنْ تَرْتَقِيَ ويُعَرْقِلَ ارتفاعَها مِنْ عالٍ إلى أعلى، والكسلُ هُوَ التَّثاقُلُ عمَّا لا يَنْبَغي التَّثاقُلُ عنهُ مِنَ الأمورِ في حياةِ الإنسان. ولَمَّا كانَ المسلمُ يعيشُ حياة من طراز مميز و فريد حدَّدَهُ لَهُ اللهُ تعالى، كانَ لا بُدَ لَهُ مِنْ أنْ يَتَصَرَّفَ على هذا الأساسِ. فالأحكامُ الشَّرعِيَةُ أحكامٌ تَشْمَلُ مَناحِيَ حياةِ الإنسانِ جميعها ، فَهِيَ السبيلُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى وإرضائِهِ عزَّ وجَلَّ وهِيَ السبيلُ إلى دُخولِ الْجَنَّةِ وهِيَ السَّبيلُ إلى اجتِنابِ النَّارِ. فَمَنْ يَعي ويُدرِكُ ذلكَ جَيِّداً يعلَمُ أنَّ طاعةَ هذهِ الأحكامِ الشرعيةِ لا يَنبغي أنْ نَتَكاسَلَ عَنْها لِما فيها مِنَ النَّجاةِ والخيرِ الكثيرِ. لذا فإنَّ الكسل بهذا المعنى حرامُ ولا يجوزُ. فإذا كانَ هذا هُوَ حُكْمُ الشَّرعِ في الكسلِ فلِماذا يَتَكاسَلُ ويَتهاوَنُ الإنسانُ فَيَقَعُ في الحرام ؟ هل هذا الكسلُ غريزةٌ في الإنسانِ؟ وما هِيَ أسبابُهُ ؟ ولِماذا نَجِدُ نفسَ الإنسانِ يَنْشَطُ نَشاطاً مَلمُوساً في القيامِ بِأعمالٍ لَمْ يَفْرِضْها اللهُ تعالى عليهِ بينما يَتكاسَلُ عنِ القيامِ بفرضٍ ؟ فَالكسلُ إخوتي أخواتي هو فِعلا آفةُ العصر. وهُو مَظهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ غريزَةِ البَقاءِ فالإنسانُ يَميلُ إلى الراحةِ، وإنْ تُرِكَ هذا الميلُ بِدونِ معالَجَتِهِ بالعقلِيَةِ وضَبْطِهِ، تَكُونُ نَتائِجُهُ وَخيمَةً ، فَيكونُ الإنسانُ أشبَهَ بالْمُستيقِظِ النَّائِمِ أوْ بالحي الْمَيِتِ، لا يتحَرَّكُ ولا يُؤثِرُ ولا يُغَيِّرُ، بلْ يَكُونُ مُتكاسِلا لِدرجَةِ الْجُمودِ حتى يغوصَ أكثرَ في حالة فُقدانِ التّحَكُمِ والسّيطَرَةِ على نَفْسِهِ، ويَكُونُ مُتناقِضاً في سُلُوكِهِ ، تناقض غريب عجيب . وذلكَ سَبَبُهُ في الأساسِ كَسَلُ المسلِمِ عَن إعمالِ عَقلِهِ في التَّفكُّرِ والتَّدَبُّرِ والنَّظَرِ في آلاءِ اللهِ عز وجل ، مِمَّا يُؤدي إلى خَلَلٍ في فَهْمِ العقيدَةِ الإسلامِيةِ. فَيجبُ أنْ نَبنِيَ ضرورةَ تَكَبُّدِ عناءِ التَفكيرِ العميقِ والْمُستَنيرِ في تَفاصيلِ هذهِ الحياةِ والإنسانِ والكَوْنِ، وإلا هذا الكسل يَترُكُ الإنسانَ مُتَخَبِطاً ومُتَرَدِداً في حياتِهِ، غيرَ حاسمٍ وضْعَهُ بالنِّسبَةِ للحقِّ ولِلباطِلِ، فيكونُ إذا الإنسانُ مُنعَزِلاً عنْ واقِعِهِ ويَعيشُ في عالَمٍ مِنَ اختراعِهِ، ويَدخُلُ في كثيرٍ مِنَ الْمَتاهات. فَلا يُدركُ القَضيةَ الْمَصيرِيةَ في حياتِهِ، ولا يَتَخِذُ مَوقِفاً مُهِماً ولا يكونُ مُشارِكاً فَعَّالاً ، والْمُشكِلَةُ ليستْ فيهِ فقطْ بلْ في الْمُجتمَعِ كلِّه الذي يُحِبُ الراحةَ، ويَعيشُ تَحتَ نِظامِ حُكْمٍ يُشجِّعُ على التمتع والرفاهية المفرطة في هذه الحياة الدنيا ، و أيضا لا يهتم لأمر العقاب والحساب في الآخرة .والنتيجةُ أنَّ الكسلَ أصبحَ صفةً لِلْمُجتمَعِ وللدولةِ بأكمَلِها. فكَسَلُ العقولِ يَنتُجُ عَنْهُ قِلَةُ اكتراثِ البشرِ بالقُوةِ الإبداعِيةِ الْمُفكِرَةِ التي أودَعَها اللهُ فيهِم ، فيَشيعُ التَّبَلُّدُ والشَّلَلُ الفِكرِيُّ والتَّعَلُّقُ بالْخُرافاتِ، بِالإضافَةِ إلى كَسَلِ البدَنِ المؤدي إلى التّثاقُلِ عنِ الطاعاتِ وأداءِ العباداتِ وكراهِيَّةِ الالتزامِ بالأحكامِ الشَّرعِيةِ على النَّفسِ، فَيُؤَدي كل ذلك إلى تَأَخُرِ الأفرادِ والْمُجتمعِ ، الذي لا تُهِمُّهُ النَّهضَةُ الفِكريةُ ولا التَّطورُ في مَجالاتِ النّشاطاتِ المختلفةِ مِن زراعةٍ وصناعةٍ وغيرِهِما. فيا لَهُ مِنْ وَضْعٍ مُزرٍ يَصِلُ بالإنسانيةِ إلى دَرَجَةٍ كبيرَةٍ مِنَ الانحطاطِ يَعْجِزُ فيه عنِ الأخذِ بِيَدِ الإنسانيةِ جمعاء. فيجبُ أنْ يُدركَ المسلمُ أنَّ هذا الكسلَ فيهِ تفريطٌ كبيرٌ في النهضةِ الفكريةِ التي هي أساسُ كلِّ المجتمعاتِ والدولِ التي تقودُ العالَمَ .

ومِنَ الضروريِ في عمليةِ البِناءِ والهدمِ تدبُرُ هذهِ الآياتِ الكريمةِ والأحاديثَ الشريفةِ وأن نتذكُرُ مَعانيها جيداً، فقد ذُكِرَ لفظُ الكَسَلِ في كتابِ اللهِ تعالى. قال الله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً ) النساء: 142. ففي هذه الأية ذكر الكسل مقرونا بالذم مَقروناً بالذمِ فقدْ جُعِل صفةً مِن صِفاتِ المنافقينَ وعلامةً مِن علاماتِهِم ..فالنِّفاقُ إذا مِن أسبابِ الكسلِ. وقال ابنُ كثير: "هذهِ صفةُ المنافقينَ في أشرفِ الأعمالِ وأفضَلِها وخَيرِها، وهِيَ الصَّلاةُ، إذا قاموا إليها قاموا وهُم كُسالى عنها، لأنَّهُم لا نيةَ لَهُم فيها، ولا خَشيَة، ولا يَعقِلُونَ مَعناها .كمَا رَوى ابنُ مِردَويهِ عنِ ابنِ عباس قال: "يُكرَهُ أنْ يقومَ الرجلُ إلى الصلاةِ وهُوَ كَسلان، ولكِنْ يقومُ إليها طَلِقَ الوجهِ ، عظيمَ الرَّغبةِ، شديدَ الفرحِ فإنَّهُ يُناجي اللهَ تعالى ، وإنَّ اللهَ تِجاهَهُ يَغفِرُ لَهُ ويُجِيبُهُ إذا دعاه. فالفَرقُ بينَ التَصرُّفَينِ فرقٌ عظيمٌ هُو الفرقُ بين الجنَّةِ والنَّارِ ، فيجب أن نَبْنِي أهميةَ ربطِ الأعمالِ والعباداتِ بالعقيدةِ الإسلاميةِ فَهِيَ أساسٌ لبناءِ الإيجابياتِ ولِهدمِ السلبياتِ في عقليةِ ونفسيةِ الشخصيةِ الإسلامية.وكما ذكر الكسل في السُّنةُ النَّبويَّة الشريفة ُ: فقدْ استعاذَ النَّبِيُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ مِنَ الكسلِ، مِمَّا يَدُلُ على ذمِّهِ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: " اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ والكَسَلِ " - رواه البخاري ومسلم ، وقَرَنَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ بالعَجْزِ، لأنَّ كلَيهِما يُؤدي إلى التَّثاقُلِ عن إنجاز الْمَهماتِ. فالعجزُ أو حُبُ الراحةِ مِن أسبابِ الكسل .
وقال صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيمَنْ نامَ ولَمْ يُصَلِّ بالليلِ حتى أصبحَ، وقيلَ نامَ عَنْ صلاةِ العِشاء ، قال عليه الصلاة والسلام : " يَعقِدُ الشيطانُ على قافِيةِ رأسِ أحدِكُم إذا هُوَ نامَ ، ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضرِبُ على مَكانِ كُلِّ عُقدَةٍ قائلا : عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإنِ استقيظَ فَذَكَرَ اللهَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإنْ توضَأَ انحلت عُقدةٌ، فإنْ صلَّى انحلتْ عُقدةٌ، فأصبحَ نشيطاً طَيِّبَ النَّفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفْسِ كسلان " - رواه البخاري ومسلم .

من ذلك إذا أخواتي وإخوتي الكرام ، على المرء المسلم أن يَحذَرِ المسلمُ أنْ يَتَعَوَّدَ على الكسلِ. فحقٌّ على الإنسانِ ألا تَذهَبَ عامةُ أوقاتِهِ إلا في إصلاحِ أمرِ دينِهِ ودُنياه، مُتوصِلاً بِذلكَ إلى إصلاح أمرِ آخرته، ومُراعياً لها. فَمَنْ يعملُ لأنْ تكونَ أُمَّتُهُ خيرَ أمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ ليسَ لديهِ وقتٌ يُضَيِّعُهُ في الراحةِ، فالفراغُ والقُعودُ وعدمُ استثمارِ الوقتِ في طاعةِ اللهِ تعالى أحدُ أسبابِ الكسلِ، وكذلكَ مِنْ أسبابِهِ كثرةُ الأكلِ والنَّومِ والتَّرَفِ، والصُّحبةُ الكسولَةُ، والإسترسالُ في الأوهامِ والأحلامِ، فالراحةُ لا تُنالُ بالراحة. ولِذلكَ كان لِزاماً أنْ نَهْدِمَ أسبابَ الكسلِ والتَّكاسُلِ عنِ القيامِ بِالواجِباتِ وأداءِ الحقوقِ التي يُحاسِبُنا اللهُ تعالى عليها، ويجبُ أنْ نَهدمَ الوَهنَ أيْ حُبُّ الدنيا وراحَتُها وكراهيةُ الموتِ. كما يَجبُ أنْ نَبْنِيَ سُرعةَ البديهةِ في المسلمِ وحبَّ الْمُبادَرَة بالقيامِ بالطاعاتِ المفروضةِ ونَبْنِيَ فيهِ النُّفورَ مِنَ الْمُحرَماتِ كلِّها، وذلكَ يكونُ بأنْ نَرسِمَ الغايةَ الواضِحَةَ والهدَفَ مِنْ حياةِ الْمُسلِمِ أمامَ عَيْنَيْهِ، ألا وهِيَ رِضوانُ اللهِ تعالى. وَيَجِبُ علينا شَنُّ حربٍ على الكَسَلِ بالإيمانِ الحقيقِيِّ المؤدي إلى العملِ النَّافع، وأيضا مَلْءُ الفراغِ بالأعمالِ العظيمَةِ وعدمُ الرُّكونِ إلى التَّرَفِ والانْهِماكِ في طَلَبِ الملَّذات. وَوَضْعُ أهدافٍ عُليا والعَمَلُ على تَحقيقِها ويُساعدُنا في ذلكَ كلِّهِ مُصاحَبَةُ أهلِ العَمَلِ والاجتهاد. وبهذا يا حضور يا كرام ، نكون قد وصلنا إلى ختام هذه الحلقة وإلى لقاء قريب إن شاءالله .
وصلِّ اللهُمَّ على سيدِنا مُحمدٍ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمعين .

والسلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتُهُ.

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.