December 24, 2009

كيف نبني وكيف نهدم - مَنْ لا يَهْتَمُّ بأمرِ المُسلمين فليس منهم

إن الاهتمام بقضايا الأمةِ الإسلاميةِ فرضهُ الله تعالَى علَى أمتنا الخيرة . ولكن اليوم الشبابُ المسلمُ يهتمُّ بقضايا هامشيةٍ ويتركونَ القضايا المصيريةَ، فمثلاً تجدُهم يهتمُّونَ بالمظاهرِ والمادياتِ فيقيسونَ نجاحَهُم في الحياةِ بحجمِ الراتبِ وفَخامةِ الملبسِ والمنزلِ والسيارةِ والشهاداتِ الجامعيةِ. ومعَ كلِّ هذا التفاخرِ تجدُ المستوَى الفكريَّ والثقافِيَّ متدنٍ ، فإن سألتهم عن نوع السيارة حفظوها وعرفوها وإذا سألتهم عن نجوم اليوم الإفتراضيين طبعا - كنجوم الرياضة أو الغناء عرفوهم حق المعرفة ، ولكن إن سألتهم عن تأريخ الإسلام وتأريخ العِزة والمجد عن سيرة الصحابة رضوان الله عليهم ، وعن الخلفاء الذين حكموا الأمة بالإسلام لمئات السنين ، و عن العلماء وعن القرآن الكريم والأحاديث الشريفة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الأحكام الشرعية، لا يفقهون عما تتحدث وتصيبهم الحيرة ! فالواضح أنه يعيشُ شبابُ الأمةِ في فراغٍ فكريٍّ يجعلُهم يُعيثونَ في الأرضِ فساداً وليسَ لَهُم رأيٌ فيما يدورُ منْ حولِهم بل لا يهتمون به .

ونسمعُ كثيراً ممن يهمهم أمر شباب الأمة اليوم ، أنَّ الشبابَ لديهِم الكثيرُ منْ وقتِ الفراغِ الذي يحتاجونَ لتوظيفهِ في أعمالٍ مفيدَة ، فتوجَّهَ الكثير منهم لتشجيعِ الرياضاتِ المختلفةِ وأولوها اهتماماً أكثرُ منَ اهتمامِهم بقضيةِ احتلالِ فِلَسطينَ واحتلالِ أفغانستانَ والعراقِ ، فربَّما هذا الاحتلالُ بالنسبةِ لَهم ليسَ قضيتُهم مباشرَةً ولكنَّ فِرَقَ كرةِ القدمِ هيَ قضيتُهم الأولى ! فلمَاذَا تُؤثرُ لعبةٌ في شبابِنَا أكثرَ منْ قتلِ إخوانِهم منَ المسلمينَ ؟ الصحيحُ أنهُ قدْ طغتْ هذهِ النظرةُ الأنانيةُ ، نظرةُ الاهتمامِ بالمصلحةِ ، علَى المجتمعِ فصارَ مقياسُ الأعمالِ عندَ الشباب هو المصلحةُ، وتحكم هذا المفهومُ فِي أفكارِ ومشاعرِ المجتمعِ ، وقدْ خلقَ ذلك عندَ الشبابِ مفهومَ إلقاءِ اللَّومِ والمسؤوليةِ عَلى الآخرينَ ، وذلكَ لتفادِي القيامَ بالعملِ المطلوبِ منهُم وتهميش أهمية انخراطَهم معَ الأمةِ الإسلاميةِ في تحمُّلِ أمانةِ كون الأمة خير أمة أخرجت للناس وشهيدة عليهم أمام الله تعالى . وقدْ آثرُ الشباب البحثَ عنِ الراحةِ والغِنَى والحياةِ الرغدةِ . وربما أول سببُ في ذلكَ هوَ أنَّ الأنظمةَ الحاكمةَ فِي بلادِ المسلمينَ هي أنظمةٌ علمانيةُ تحكمُ المسلمينَ بدساتيرَ وقوانينَ غربيةٍ كافرةٍ ، فتأثرتْ كلُّ أنظمةِ المجتمعِ بنظامِ الحكمِ العلمانِيِّ وانفصلَتِ المجتمعاتُ والدولُ عنِ الإسلامِ فصارَتْ وُجهةُ نظرِ الشبابِ الغالبةِ وجهةَ نظرٍ علمانيةٍ بعيدة عنِ الحياةِ الإسلاميةِ. وأُبعدُ الشبابِ المسلمِ عنْ دينهِ ، وإستمرت حياةُ الناسِ في انفصالٍ وانعزالٍ عنِ الإسلامِ والأحكامِ الشرعيةِ وتطبيقها على أرض الواقع .

وتزدادُ الفجوةُ اتـِّساعاً بسببِ قمعِ الحكامِ وتكميمِ أفواههِم وكبتِ الشبابِ المسلمِ والضغطِ عليهم بتكاليفَ الحياة التي أثقلت كاهلَهم ، فيلهثُ وراءَ كسبِ الرزقِ وتحصيلِ العلمِ والدراسةِ ، ويُضطَّرُّ الكثيرونَ للهجرةَ وتركِ أهليهِم وأملاكِهم ليتخبَّطوا في بلادِ الغربِ الذِي يستغلُّهم ويستفيدُ منهُم . فكيفَ لهؤلاءِ الشبابِ أن يهتمُّوا بأمرِ المسلمينَ ؟ فما دامَ يعيشُ هذا المسلمُ في تعبٍ وكَبَدٍ في بلدِه وفي منطقتِه، فكيفَ يهتمُّ لغيرِه منَ المسلمينَ في بلادِه وفي بلادٍ أخرَى ؟ فماذا نتوقع من شباب أمة محمد ؟ ومنْ أيِّ زاويةٍ يجب أن ينظرُ المسلمُ لما يدورُ منْ حولِه؟

والأمةُ تمرُّ عليهَا أحداثٌ جسامٌ، وقضايا تتطلبُ اتِّخاذَ مواقفَ مصيريةٍ وجريئةٍ لتنتشلَها مما تعيشُه منْ ذُلٍّ ومهانةٍ تجلعها في ذيل الأممِ ، فمنذُ أنْ هُدِمَتْ دولةُ الخلافةِ سنة ألفٍ وتسعمئةٍ وأربعٍ وعشرين 1924م تشرذمَتِ الأمةُ الإسلاميةُ وتَمزَّقَ جسدُها الواحدُ وصارَتْ أمةً أُهدِرَتْ كرامتُها وهانَتْ علَى الناسِ وتدَاعَى عليهَا الغربُ الكافرُ بالاحتلالِ وتقتيلِ المسلمينَ ونهبِ ثرواتِهم وإنتهاك أعراضهم ، يساعدُهم في تمريرِ تلكَ السياساتِ عملاءُ منْ أبناءِ جلدتِنَا ، وهذهِ قضايا مصيريةٌ تحتاجُ لحلٍّ جذريٍّ واهتمامٍ بالغٍ منْ أبناءِ الأمةِ بتطبيقِ هذا الحلِّ ، فكيفَ نُحوِّلُ وجهةَ نظرِ أبناءِ الأمةِ لقضاياهُم منْ نظرةِ تهميشٍ إلى نظرةِ مسؤوليةٍ واهتمامٍ بالغٍ ؟ لفعلِ ذلكَ يجبُ أن نعلمَ أولاً منِ المتحكمُ في توجيهِ وجهةِ النظرِ هذهِ ؟ فهذا سؤالٌ في غاية الأهمية نحتاجُ لإثارتهِ عندَ الشبابِ المسلمِ لتحويلِهم إلى الإهتمام بالقضايا المصيريةِ وبإمور المسلمين تحقيقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ". لا بدَّ لنا إذا أيها الحضور الكريم ، منْ وقفةٍ ناقدة للطريقة التي يعلم بها الشباب المسلم عن هذه القضايا المصيرية ، فلعلها تصلهم بصيغة مهمشة أيضا ، فأجهزة الإعلام اليوم مِنْ أقوَى المتحكمين في وجهةِ نظرِ الأمةِ تجاهَ قضاياهَا. وهناك وسائل إعلامية كثيرة منها المسموعة والمرئية والمقروءة والإنترنت التي تبثُّ بشكلٍ مكثفٍ سمومَها القاتلةَ الفتاكةَ لنشرِ العلمانيةِ وتوابعِها منَ الحرياتِ والديمقراطيةِ .

 أصبحَتْ هذهِ الوسائلُ الإعلاميةُ مصدراً يلجأُ إليهِ ويأخذُ منهُ أبناءُ الأمةِ أفكارَهم ويُكوِّنونَ أراءَهم مِمَّا يسمعونَ ويشاهدونَ عَلى شاشاتِ التلفازِ ، ولذلكَ أصبحَ الكثيرونَ منهُم يتبنُّونَ وجهةَ نظرِ الإعلامِ في قضايَا أمتِهم ، بغض النظر عن البحث وراء مصدر الإعلام نفسه. فيهتم الشباب بالسيارات لأن الإعلام يهتم بها ولا يهتمون بقتل مسلم وإراقة دمه لأن الإعلام لا يهتم بذلك. ومثالُ ذلكَ مباراةُ كرةِ القدمِ بينَ منتخبَيِّ الجزائرِ ومصرَ التي لعبها الفريقينِ في السودانِ . فمَاذَا كانتْ ردةُ فعلِ المسلمينَ لكلِّ هذهِ الخلافاتِ التِي حدثَتْ بينَ أبناء مصر وأهل الجزائر والذي وصل الى حد الإقتتال ، بحسب الإعلاميين ، فالمتتبعُ لأخبارِ هذهِ المباراةِ يشعرُ كأنَّما تزجُّ وسائلُ الإعلامِ زجاً بالخلاف في أخبارها وتضخمه ، لزرع الفتن وتأجيجها بين أبناء الأمة الإسلامية وتركز على مفهوم القوميةِ العربيةِ الفاسد وتوحي للناس أنها تربطُ بين هذه البلاد ، بينما الرابط بينها هو العقيدة الإسلامية . فالسرعةٍ التي تناقلَتْ بها القنواتُ الفضائيةُ المصرية الحدث كانت ملفتة والتغطية المتواصلة ضخَّمتِ الخبر وعملت على زرع الإنشقاقَ وزادَتْ منْ تلكَ الخلافاتِ بالتراشقِ والتحليلاتِ المفصلةِ وكثرةِ اللغَطِ ، وكلُّ ذلكَ تركَ المسلمينَ في الثلاثِ بلادٍ حائرينَ لما حدَثَ لا يفهمونَ لِماذَا جرَى مَا جرَى وجعلَهم يُتابعونَ وسائلَ الإعلامِ بتركيزٍ لمتابعةِ أخبارِ هذهِ الفتنةِ في قنواتٍ فضائيةٍ متخصصةٍ لنقلِ أخبارِ الرياضةِ وكأنَّها مسألةُ حياة أو موتٍ ! وفي أذهانِهم تدورُ تساؤلاتٌ كثيرةٌ تركت بدون أجوبة شافية .

دعُونَا نقارنُ ذلكَ الحدثَ بما يجرِي منْ أحداثٍ تجري في السودانِ نفسِه، فنجدُ أنَّ المسلمينَ في السودانِ تمر عليهم أوضاعٌ حرجة، فالنظامُ الحاكمُ يلبسُ ثوبَ الإسلامِ بينَما أعطَى ولايةً للكافرِ عَلى المسلمِ ، فاقتسمَ حُكمَ البلادِ معَ الكفارِ واستفرد الكافر بجنوبِ السودانِ، وهذَا الوضعُ هوَ وضعٌ يُحرِّمُه الإسلامُ عَلى المسلمينَ، وبينَما يُؤججُ الإعلامُ الفتنةَ بينَ أبناءِ الجنوبِ وأبناءِ الشمالِ أصبحَ الكثيرُ منَ المسلمينَ يرونَ في الجنوبيينَ أعداءً وينادونَ بانفصالِ الجنوبِ ، وهوحقيقةً تمزيقٌ لأراضِي المسلمينَ في السودانِ ، ولا يَخفَى عَلى أحدٍ أنَّ انفصالَ جنوبِ السودانِ عنْ شمالِهِ سينتجُ عنهُ ضعفُ البلادِ وسيجعْلِهَا فريسةً سهلةً للمطامعِ الأمريكيةِ والأوروبيةِ النصرانية في المنطقةِ ، بالإضافةِ إلى ان قبولِ هذَا الانفصالِ حرامٌ شرعاً، لأنَّ الأرضَ جميعُها أراضٍ ملكٌ للمسلمينَ . وللأسف تَبنَّى الكثير منَ المسلمينَ في السودانِ وجهةَ نظرِ الإعلامِ في هذه المسألةِ ويتمثل ذلك في صمت الرأي العام على هذا المنكر وعدم إستنكاره بصوت عال. بينما خرج الناس إلى الشوارع يوم مباراة الجزائر ومصر يهتفون كلا لمن يشجع من الفِرق ! فالواضح أن الإعلام قد تلاعب بشبابنا وعقولهم وبل وبمشاعرهم أيضا .

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.