March 07, 2010

مفهوم الطاعة

الطاعة هي: الانقياد مع الرضى، يقال،هو طوع يديه أي منقاد له، والتطوع بالشيء،هو التبرع به، والمطّوعة: الذين يتطوعون بالجهاد.

ولا تكون الطاعة إلا عن أمر، يقال أمره فأطاع. والأمر يؤخذ من منطوق النص مثل: (استغفر الله) ومن مفهومه مثل: (لو استغفرت الله) ومن واقع الحال مثل: (إنسان وقع في معصية ثم ذكر الله أنه سوف يحاسبه فاستغفر الله) والطاعة من أهم المظاهر التي تدل على الإنضباط العام في الأمة والدولة وهي أمر أساسي لوجود الدولة وبقائها. والانضباط لا يتم إلا بكون الطاعة سجية من سجايا الأمة، فإن فقدت الطاعة سقطت الدولة وفقدت الأمة وحدتها و ذابت بين الأمم لا راعٍٍِ لها كما هو حال الأمة الإسلامية اليوم.

فالطاعة إذن من أهم مكونات الدولة والمجتمع. وهذا ما نجده في أول نزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، جاء في سيرة بن هشام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فجاءني جبريل فقال إقرأ قال: قلت ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ قال! قلت ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ، قال: قلت ماذا أقرأ! قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: أقرأ قال فقلت ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا إفتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) قال: فقرأتها ثم إنتهى فانصرف عني) وبهذا يكون جبريل عليه السلام قد علم الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم أن الطاعة هي أساس وجود المجتمع. والوحي نزل لإيجاد مجتمع متميز فعندما أجاب الرسول بالنفي ضغط الوحي أي ضمه إليه بقوة فحبس أنفاسه وهو يردد العملية ثلاث مرات ولما أدرك الرسول أنه الأمر ولا مفر من طاعته سأله ماذا أقرأ فضمه إليه ثالثة حتى يبين له أن هذا الذي يجب أن يكون أي (الطاعة) وقال له أقرأ باسم ربك الذي خلق...) فقرأ، وعندها رضي جبريل عنه وانصرف.

وبهذا يكون قد علم جبريل عليه السلام الرسول الطاعة قبل القراءة.

وخطاب الرسول خطاب له ولأمته فتكون الطاعة واجبة قبل كل شيء على المسلم، يقول الله تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، فأمرنا الله أن نسمع ونطع ثم نطلب المغفرة منه جل وعلا ، وهذا يعني أن تكون الطاعة سجية مجتمع الدولة وأمة المبدأ يقول سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)، فالطاعة هي أصل قبول كل عمل وبدون الطاعة يكون العمل باطلا فعلى المسلم أن يفعِّل ثقافة الطاعه.

صحيح ان الامر بالطاعة جاء مطلقا إلا أن هذا الإطلاق يكون ضمن المبدأ فلا تتعداه إلى غير مبدأ الأمة وهذا ما يجب أن نكون عليه نحن المسلمين، يقول الله عز وجل: (ولا تطع كل حلاف مهين) ويقول: (ولا تطع المكذبين) ويقول: (ولا تطع منهم آثما أو كفور).

فالطاعة يجب أن تكون مطلقة في المبدأ ومحصورة فيه لا تتعداه ولذلك عدم طاعة الكفار هي طاعة لله.

ومن هنا يجب أن تكون الطاعة واعية وليست طاعة عمياء.

وحتى تكون الطاعة صادقة يجب أن تكون طاعة في المنشط والمكره وفي العسر وفي اليسر وفي الرضا وفي الغضب أي فيما أحب الإنسان أو كره. فمثلا: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر قالوا يا رسول الله إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمط الناس) فيجب أن يؤخذ الحديث كاملا وإلا لا تكون طاعة وإنما إتباع للهوى فالحديث يطلب اللباس الحسن وعدم إحتقار الناس.

ومثالا آخر في صلة الأرحام يذهب الأخ عند أخته والإبن عند أمه والرجل عند خالته في تبادل الزيارات وهذا من صلة الارحام وعند حصول سوء فهم بين طرفين تنقطع هذه الزيارات ويُعرض كل واحد عن الآخر وإذا أحسنا الظن باحدهما يقول لا أذهب عنده حتى يأتي هو أولا فهذا العمل كله ليس صلة رحم، وإنما صلة الارحام كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها) فهذه العملية هي طاعة لله يقول جل وعلى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) ويقول سبحانه: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) فأمرنا الله سبحانه وتعالى بطاعته وبطاعة رسوله وبطاعة أولي الأمر من المسلمين وقيد طاعة أولي الأمر بطاعة الله ورسوله ومفهوم المخالفة أنه لا تطيعوهم إن لم تكن الطاعة منبثقة من طاعة الله ورسوله.

وعليه فإن الطاعة هي:

1) الانقياد مع الرضى.
2) أن تكون في المنشط والمكر.
3) أن تكون فيما أمر به المبدأ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو عادل

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.