مواقف وعبر- أصحاب الأخدود
November 10, 2009

مواقف وعبر- أصحاب الأخدود

 الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمدٍ المبعوثِ رحمةً للعالمين

وبعد ..

نرحّبُّ بكم من استوديو البث المباشر من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير ونلتقي وإياكم وحلقةٍ جديدةٍ نتعرف ونعتبر كذلك من قصة أصحاب الأخدود علّها تنال إعجابكم...

مستمعينا الكرام:

حينما يأبى القلمُ إلا أن يكونوفياً لصاحبه فيخط ما يجول في خاطره ، وحينما تأبى النفوس التي في الصدور إلا أنتكون وفيةً لأناسٍ ما أعظمهم وما أسعدهم وما أربح تجارتهم ، أناسٌ دُفنوا بليلٍ فيالقبور لا لشيء إلا أن قالوا : ربُنا الله .

ما أعظمها من كلمة !!! تزوَّدبها الدُعاة ففزع منها الطغاة وانقلبوا على عقبيهم لم يضروا الله شيئا ولم يظفروامنهم بنائل فلقد سبق السيفُ العَذل واتسع الخرقُ على الراقع ولله الحمدُوالمنّة.

يقول الله تعالى:" وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِالْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَبِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوابِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُواالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَوَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10" ( البروج (1-10 )صدق الله العظيم

ففيهذه الآيات الكريمة تتجلى حقيقة الصراع الأبدي الذي كان وما زال قائماً حتى اليومبين الكفر والإيمان وبين الجاهلية والإسلام ، فلم يكن أبداً صراعاً سياسياً أواقتصادياً أو اجتماعياً كما يحاول الكثير أن يصوروه، بل كان في حقيقتهِ صراعاًعقائدياً مريراً بين أصحاب عقيدةٍ صحيحة وأخرى باطلة .


ولقد قصَّت لنا هذهالآيات العظيمة آياتٍ بينات لتلك الفئة المؤمنة التي آمنت بربها واستعلت بإيمانهاواستمسكت بعروة دينها ، حين فُتنت من فراعنة كل عصر وخُيّرت بين الحياة بلا إيمانأو الإيمان الذي سيكون مصير أهله الحرق حتى الموت ، فاختارت فكان نِعمَ الاختيار ؛اختياراً انتصرَ فيه الحق بأهله على الباطل بجبروته وبطشه .

ولقد وصف سيدقطب - رحمه الله - قصة أصحاب الأخدود بما فيها من أحداثٍ وعِبر بكلمات حقَّ لها أنتُسطر بمدادٍ من ذهب حين قال : " في حسابالأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان ، وأن هذا الإيمان الذي بلغ تلك الذروةالعالية في نفوسِ الفئة الخيّرة الكريمة الثابتة المستعلية .. لم يكن له وزن وحسابفي المعركة التي دارت بين الإيمان والطغيان !! أفهكذا ينتهي الأمر وتذهب الفئةالمؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة الإيمان ، تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود ، بينماتذهب الفئة الباغية التي ارتكست إلى هذه الحمأة ناجية ؟؟؟" هذا فيحسابِ أهل الأرض ، أما في حسابِ رب الأرض والسماء جلَّ في عُلاه فيقول : " إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدةوأن السلعة الرائجة في سوق الله هي سلعة الإيمان وأن النصر في أرفع صوره هو انتصارالروح على المادة وانتصار العقيدة على الألم وانتصار الإيمان على الفتنة ... وهذاهو الانتصار" .

فكانت قصة أصحاب الأخدود درساً بالغ التأثيرللثبات على الحق والاستمساك به ، قال ابن كثير في تفسيره : وقوله تعالى " قُتِلَأَصْحَابُ الْأُخْدُودِ " أي لعن أصحاب الأخدود وجمعه أخاديد وهي الحفر في الأرض ،وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله عزّ وجل فقهروهموأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم ، فأبوا عليهم فحفروا لهم في الأرض أخدوداً وأججوا فيهناراً وأعدوا لها وقوداً يسعرونها به ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها ،ولهذا قال الله تعالى : "قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِالْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَبِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ " أي مشاهدون لما يفعل بأولئك المؤمنين

ومن أولىبهذه العظات وهذه العِبر من حملة الدعوة إلى الله العاملين لإعادة مجدِ أمتهموعزتها الضائعة الذين يُفتنون كما فُتن الذين من قبلهم ، في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ زمنفي حلهم وفي ترحالهم ، الذين ينبغي عليهم ألا يفارق أذهانهم أن هذاالطريقالذي اختاروه لن يكون مفروشاً بالورود والرياحين ،وأن طبيعة الدعوة إلى الله وتكاليفها لن تكون على طبقٍ من فضة ، بل لا بد أنيترسموا معالمها ويدركوا أنهم لا بُد مُلاقين ما لاقاه سلفهم الصالح من أشدّ وأقسىوأنكى أنواع الأذى والتعذيب ، فيتزودوا بزادِالطريقحتى لا ينتكسوا وتزل أقدامهم .

وقد أخرج الطبراني عن منبت الأزدي قال : رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وهو يقول : يا أيها الناس : قولوالا إله إلا الله تفلحوا ، فمنهم من تفل في وجهه ، ومنهم من حثا عليه التراب ، ومنهممن سبه حتى انتصف النهار ، فأقبلت عليه جارية بعس من ماء - أي قدح كبير - فغسل وجههويديه وقال : يا بنية لا تخشي على أبيكِ غيلة ولا ذلة . فقلت من هذه ؟ قالوا : زينببنت رسول الله صلى الله عليه وسلم "

فكان لا بُد لحملة الدعوة أن تتربى نفوسهم وتتهذببهذه التوجيهات القرآنية الكريمة حتى يكونوا مستعدين لبذل الغالي والنفيس في سبيلالله تعالى ، وتكون الدعوة عزيزة على قلوبهم وإن كانت لا تخلو من المتاعب والمصاعب، ولكنهم يستعذبون العذاب ويجدون الموت حياة من أجلها ولسان حالهم يقول :" فَاقْضِمَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) "( طه) ، وعيونهم ترنوا إلى هناك ؛ إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ونصرٌ منالله وفتحٌ قريب بإذن الله .

أما الحقيقة الأخرى التي ينبغي على المؤمنينالداعين إلى الله تعالى إدراكها والتي تتمثل في قوله تعالى :" وَمَا نَقَمُوامِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ " تتجلى لكلِّ ذيعينينبأن حقيقة الصراع بين أهل الإيمان وأهل الكفر هو صراعٌ عقائدي ومفاصلةحقيقية لا تحتمل التأويل، فما كان لأصحاب الأخدود ذنب إلا إيمانهم باللهالعزيز الحميد ، وبذلك تبطل كل حجج دُعاة التسامح والحوار بأنهم قادرون على مدجسور المودة والمحبة والالتقاء عند منتصفالطريق،ذلك أنهم لم يدركوا معنى قول الله عز وجل :" وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَالنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَمِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (120)" البقرة

وتختتم الآياتبلفتة قرآنية بليغة في قوله تعالى :" إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَوَالْمُؤْمِنَاتِ" أي حرقوا ، قاله ابن عباس ومجاهد ، " ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا" أيلم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا " فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْعَذَابُ الْحَرِيقِ "وذلك أن الجزاء من جنس العمل .
قال الحسن البصري : انظرواإلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة

اللهمأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
اللهم إنانسألك في الدنيا نصراً مُبيناً وفي الآخرةِ جنةً ونعيما اللهم آمين

وآخردعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين .

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.