February 07, 2011

نظرات في الوسائل والأساليب التي تتبع لتمييع الفكر والإعلام - ح1

تعتمد أمريكا اليوم في إطار حملتها لمحاربة الإسلام على عدة ركائز, أذكر منها زعامتها للعالم, وتسخيرها لعملائها في البلاد الإسلامية, وتوجيهها لوسائل الإعلام العالمية و المحلية. وسأتناول الركيزة الأخيرة باعتبارها من أهم آليات سياسة العولمة التي تروج لها أمريكا. إن الإعلام بما يوفره من نقل سريع و فعال للصورة و الصوت و الكلمة يعتبر من أخطر الوسائل في توجيه الرأي العام, وصناعة الذوق الجماعي, والتأثير المباشر في أفكار الجمهور ومشاعره, وخاصة بعد الثورة التكنولوجية التي حصلت في مجال الاتصالات, تلك الثورة التي جعلت من العالم كله عبارة عن قرية صغيرة, لهذا السبب, وفي ظل غياب دولة الخلافة الراشدة, تمسك أمريكا ومعها الدول الغربية الكافرة وعملاؤها في العالم الإسلامي بوسائل الإعلام المرئية و المسموعة و المقروءة, بقصد الترويج لأفكار الكفر و التمكين لمخططات الكفر في بلادنا. كما يعمل هذا الإعلام الضال على تمييع الإسلام وتشويه صورة العاملين للإسلام, وتخويف الأُمة منهم وتيئسها من عودة الخلافة . فقد قال مايلز كوبلاند: في كتابه لعبة الأمم في موضوع الدعاية و الإعلام: ( كما أنه يتعذر إيجاد حل لمشكلة مراقبة الصحافة إلا أنه يمكن ضبط الصحافة في غالب الأحوال من خلال ممارسة بعض الضغط من قبل الحكومة, بأشكال عديدة دون اللجوء إلى المراقبة الصريحة, فيكفي مثلا ً تعيين مستشار لكل هيئة من هيئات تحرير المجلات و الصحف و كذلك بالتهديد بزيادة الضرائب و الرسوم على المجلات وفرض غرامات مالية كبرى عليها ) . انتهى ما قاله كوبلاند. فهذا الإعلام الخبيث له عدة وسائل وأساليب لتضليل العقول و تخدير المشاعر, ومن ثم تجهيل الرأي العام و اختطافه لتوجيهه حسب المراد, و مِن بين أخبث أساليبه التي تعتمد على التلميح حينا ً و التصريح أحياناً أسلوب يمكن أن نعبر عنه باسم ( آلية الإيحاء الترابطي ), و ما نعمد إليه هنا هو تعرية هذه الآلية لبيان أمثلة من أساليبها الهادفة إلى تثبيت الهيمنة الرأسمالية على العالم وأمركتها, ومن ثم نجد الفارق بين النظرة الغربية للإعلام و نظرة الإسلام إلى الإعلام. و إذا نظرنا إلى التقدم التقني في وسائل الإعلام والنشر الذي وصل إليه العالم, نرى وسائل النشر و الإعلام تكاد تلتصق بالإنسان كالتصاق الثوب بالبدن, وتكاد تأخذ قسطاً وافراً من وقته, فقد أصبح لكل من وسائل الإعلام المسموعة و المرئية شأن كبير عند الأسر, فأطلق علماء الغرب على التلفاز ( ثالث الوالدين ) ومن هنا تكمن خطورته على الناشئة و الأجيال التي نعدها ذخرا للمستقبل, فإذا كانت هذه الأجيال تنشأ على لا مبالاة الأب و الأم و خبث الوالد الثالث فتلك الطامة الكبرى, ونذكر المذياع ( الراديو ) حيث لا يستغني أي شخص عن ملازمته, ولقد أحاط الغرب الصحف بهالة كبيرة فسماها بأسماء تدل على أهميتها من مثل: ( صاحبة الجلالة ) و ( السلطة الرابعة ) و ( صوت الذين لا صوت لهم ) وعلى سبيل المثال ففي حرب الخليج الثانية دأبت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية و نشطت نشاطاً منقطع النظير لتجيير الرأي العام ضد النظام العراقي آنذاك. فقد ضخمت الخطر العراقي بشكل كبير أولاً على جيرانه وثانياً على العالم أجمع وذلك بتصوير هذا النظام متمثلا ً برئيسه بالوحش الكاسر الذي يريد حرق الأخضر واليابس و أنه إذا لم يوقف هذا الخطر عند حده فسيكون وبال ذلك خطيرا ً جدا ًعلى العالم بشكل عام وعلى العالم الغربي بشكل خاص. وقامت الأجهزة الإعلامية ببث البرامج الوثائقية و المقابلات التلفازية بشكل يومي لفضح - على حد زعمها- وحشية النظام العراقي في التعامل مع أهل الكويت واختلقت بعض القصص والأحداث التي تصور بشاعة القتل و العنف, حتى غدا الشعب الأمريكي أو بالأحرى أصبح هناك رأي عام بضرورة وقف هذا الخطر الداهم, والنتيجة أن أصبح سهلا ً على الحكومة الأمريكية تمرير مشروع إرسال جيوش أمريكية إلى الجزيرة العربية. نعم لقد وجهت الحكومة الشعب الأمريكي لقبول الدخول في الحرب عن طريق أجهزتها الإعلامية العملاقة و البيانات السياسية الصادرة عن مؤسسات الدولة. و أشدد على أنه من المستحيل التأثير على هذه الأجهزة الإعلامية من قبل مؤسسات مستقلة غير تابعة للنفوذ الأمريكي, فكل ما يبث من خلال هذه الأجهزة من ألفه إلى ياءه مدروس بعناية ودقة من قبل مختصون ومفكرون حتى يضمنوا أن تصل الرسائل الموجهة بدقة إلى عامة الناس و يضمنوا الفائدة الكبرى من هذه المعلومات المنشودة, وأود أن أشير إلى مقابلة صحفية مع زبغنيوبريجينسكي, مستشار الأمن القومي للرئيس السابق المخضرم ريتشارد نيكسون, أجرتها معه قناة CNN) قبيل حرب الخليج حيث قال ( أنا آخذ فقط عشرين بالمائة من الأخبار السياسية المنشورة في الجرائد و التلفاز أما الثمانون الباقية فإنها ببساطة كذب و تضليل. ) وشهد شاهد من أهله .

 وهذا مثال بسيط على الأساليب الخبيثة للإعلام الذي يسيره الغرب حسب أهواءه وحسب مصلحته .

أم مؤمن

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.