February 02, 2010

  رمتني بدائها وانسلت .. الغرب بين الحقد ودعاوى التسامح

الدنمارك تتجه لمنع البرقع أو غطاء الوجه ، والنمسا تطالب وزيرة النساء فيها بدراسة احتمال المنع، أما في فرنسا فثلثا الفرنسيين يؤيدون المنع، وهلم جراً.

هذه أوربا التي وطئتها الخيول الإسلامية في القرن الهجري الأول وكانت مالطا وصقلية وغرناطة ومرسيليا منارات تشع ليس فقط علما بل أمناً وسلامة وتسامحاً ونهضة ورقيا فكريا وأدباً ورفعة لكل أرجاء المعمورة. وهذه أوربا اليوم التي احتارت كيف تشفي غليلها من الإسلام ومن المسلمين. فلم تكتف بتشويه غير مسبوق لتاريخهم بل باتت تضيّق عليهم تارة، وتمنعهم من العمل والإقامة والسكن والعيش الكريم تارة أخرى. بل زاد الحقد لدرجة أن طردت منهم من طردت وسجنت من سجنت وأهانت من أهانت.

والآن وبعد كل هذا لم يُشف غليلها بعد. فأنفقت الأموال الطائلة لصرف أبناء المسلمين عن دينهم. مرة باسم مؤتمرات السكان ومرة باسم الدفاع عن المرأة ، وأخرى باسم الاندماج أو المنح التعليمية أو الإعانات وغير ذلك كثير. وبعد أن أدركت أن السحر بدء ينقلب على الساحر. عمدت باسم الحرية إلى الهجوم على أعز ما يملكه المسلمون، عقيدتهم وما يمثلها. فشاركت بقوة واندفاع في كل الحملات العسكرية على بلاد المسلمين وأهانت أهلها وظنت بذلك أنها كسرت شوكتهم. ثم كانت تلك الحملة الشعواء من شتم الرسول الكريم وأصحابه وزوجاته صلوات ربي وسلامه عليه وعليهم جميعا. ووقفت تدافع عن الحرية التي ما فتئت تتبجح بها منذ أرادت للدولة الإسلامية العلية في استانبول السقوط وتآمرت وحشدت لذلك ماحشدت.

ولأن الله هو الذي سبب الأسباب، ولأن هذا الدين هو الدين عند الله لا سواه، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بشر بعودة الإسلام لكل بيت في المعمورة، بعز عزيز أو بذل ذليل. فإن أوربا أفاقت الآن فوجدت أن شوكة المسلمين رغم تبعثرهم ورغم تشرذمهم في بضع وخمسين دويلة، مازالت قوية. فالمسلمون ملتفون حول دينهم وكأنه قد أُنزل إليهم الآن، ويفدون رسولهم بالغالي والنفيس وكأنه بينهم. بل إن الأنفة والكرامة اللتين يعتز بهما كل مسلم ما زالتا المحركتين للمسلم في حياته اليومية. والأحكام الشرعية التي ظن الأوربي عندما صعد على قمم دار الخلافة في طوبقابي وصرخ أنه لن تقوم للمسلمين بعد اليوم قائمة، هذه الأحكام الشرعية عششت في عقول المسلمين وظهرت من خلال سلوك أبنائه وبناته بشكل لا يداخله أي لبس. فالمساجد في أوربا كلها ضاقت بالمصلين. حتى صار في كل زاوية من زوايا شوارعها مسجد ومصلى. وأصبح كل يوم جمعة هو يوماً من أيام رمضان بلا مبالغة. والمسلمات صار حالهن كحال مسلمات المدينة ، بإذن الله، لا يألين جهداً عن الاستزادة مما يقربهن لله بقول أو بعمل. فكان الخمار الشرعي شامة على وجه المسلمين في أوربا أزعجت "الأوربي" المتعجرف، الذي لايريد أن يُبصر أكثر من أرنبة أنفه. هذا الأوربي ورغم التقنية والمدنية إلا أنه لا يقبل أن يرى "الغير" المختلف عنه أبداً. فقد خرّبت سابقاً الكنيسة عقليته الرجعية، ثم زادت الرأسمالية ضغثاً على إبالة فزادتها سموما وشرورا. فنهض رؤوس الكفر منهم للتحكم بالسياسة وبصنع القرار حتى يدفعوا بالمسلمين دفعاً للتمسك بدينهم أكثر وأكثر. فيا سبحان الله.

ياسبحان الله، بالأمس زار أول أسطول إسلامي بناه الخليفة الثالث عثمان ذو النورين رضي الله عنه وأرضاه، سواحل أوربا، تبعته أساطيل الأمويين، وحكمت بالعدل فرأى الأوربيون روعة الإسلام وعظمة أهله، فدخلوا في الإسلام أفواجاً. وبقوا كذلك حتى تحكمت رؤوس الكفر بهم واختزلت القرار السياسي بمحاربة الله ورسوله والمسلمين. فماذا فعلوا؟ لقد حاولوا إبادة المسلمين، ولكنهم قتلوا من كانوا أهلهم وعشيرتهم. لم يقتلوا عرب المدينة والجزيرة كما يزعمون، بل قتلوا أبناء أوربا الذين أسلموا، فقتلوا أنفسهم بذلك.

واليوم نرى أوربا والغرب قاطبة، خسرت معركة كسب العقول والقلوب، فعادت سيرتها الأولى. تحارب المسلمين، بسياساتها وبقراراتها وبجيوشها. ومع ذلك فإنها لا تنتصر. وإن انتصرت بفرض قرار سياسي بمنع العاملات عندها من ارتداء الجلباب الشرعي، فإن بنات المسلمين وبعزة الإسلام يصفعن الغرب كله على وجهه برفضهن العمل إن كان التستر هو الثمن. فقد ربتهن أمهاتن على مقولة "تموت الحرة ولاتأكل بثدييها" ومقولة "يا ابنتي، خمارك عرضك"!

إن هذه الحملة الشعواء من الغرب على "رموز" في الإسلام، سواء المئذنة أم الخمار أم البرقع، ماهي إلا ثمرة النجاح الإسلامي في معترك الحياة العالمية. فإن من عظمة هذا الدين، التي لم يدركها أعداؤه بعد من عظمة هذا الدين أنه يقوى ليس فقط بمؤيديه، بل يقوى بإذن الله كلما حاربه أعداؤه. وينجلي بذلك عنه كل ما من شأنه أن يُغشي الأعين. فيزداد أهله التفافا حوله والتضحية من أجله ومن أجل رموزه في سبيل الله وخطباً لرضوانه تعالى.

كذبت أوربا اليوم أكثر من أي وقت مضى حين تتحدث عن "حرياتها" المزعومة. كذبت وكذّبت هي نفسها بنفسها. ولم يزدها قسيسو كنائسها إلا غياً وإذلالاً بتأييدهم لهذه السياسات التي تريد منع المسلمات من ارتداء ما غلب على ظنهن أنه الحكم الشرعي في حقهن. وإنها لهنيهات تفصل المسلمات عن معتصمهن، فهل أدركت البقية الباقية من " عقلاء" أوربا هذا؟

-أبو حامد الهادي

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.