أيها المسلمون:
في هذه الأيام المباركة من ذي الحجة تهفو قلوب المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى البيت العتيق، الكعبة المشرفة، وقد تنادوا من كل فجٍ عميق مع اختلاف أعراقهم وأنسابهم وألوانهم وألسنتهم، رجالٌ ونساءٌ وأطفالٌ يلبون نداء ربهم سبحانه وتعالى بزيارة الكعبة المشرفة في مشهدٍ عظيم يُظهر وحدة هذه الأمة على دين الإسلام.
لقد أنعم الله على البعض منا بأن مكنهم من تلبية النداء وزيارة بيته العتيق، فاللهم تقبل منهم حجهم، وندعو الله أن يمكن من لم يستطع الحج هذا العام أن يحج في السنوات القادمة في ظل دولة الخلافة إن شاء الله.
إنّ عيد الأضحى المبارك مناسبة عزيزة على قلوب المسلمين، يحتفل فيها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين. وفي هذا اليوم نصلي العيد ونذبح الأضاحي ونحتفل بهذه المناسبة المباركة وقلوبنا تعتصر ألماً لما يحل بالأمة الإسلامية من مآسٍ في جميع أنحاء العالم بسبب غياب الحكم بالإسلام في ظل خلافة راشدة.
لقد غاب حامي الأمة والمدافع عنها بسقوط دولة الخلافة، ومنذ ذلك الحين ونحن نعاني من حكامٍ خونة عملاء، وضعوا الكتاب والسنة وراء ظهورهم، ومكنوا الكافر المستعمر من رقاب الأمة الإسلامية، وجلبوا بظلمهم واستخذائهم الاستعمار إلى بلادنا في فلسطين وكشمير والعراق وأفغانستان، وأحالوا دماء المسلمين رخيصة في أعين العالم بالرغم من عظم دماء المسلمين عند الله سبحانه وتعالى، فهي أعظم عند الله من الدنيا كلها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَتْلُ مُؤْمِنٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا)). فكم من الدماء الطاهرة تُراق اليوم في باكستان بعد العراق وأفغانستان!
ففي باكستان يخرج المسلم ولا يعرف إن كان سيعود إلى بيته بعد صلاة العيد سالماً أم ستطاله شظايا نيران حرب "الفتنة" التي تديرها أمريكيا وعملاؤها من حكام البلاد الذين أزهقوا أرواح العديد من الجنود ورجال الشرطة والنساء والأطفال وكبار السن، بعد أن أطلقت الحكومة أيدي شركات القتل الأمريكية لتجوب البلاد طولاً وعرضاً فتملؤها دماءً، وهي نفس الشركات التي عاثت فساداً من قبل وما زالت في العراق وأفغانستان، وهي الآن تجوب شوارع بيشاور وإسلام أباد لقتل الناس واستهداف المسلمين.
وبسبب حكام باكستان تمكنت أجهزة الاستخبارات الأمريكية من اختراق صفوف الذين يقاومون الاحتلال، واستدرجوهم لتصويب سلاحهم نحو صدور إخوانهم بدلاً من تصويبها نحو صدور الصليبيين، كما أنّ الحكام الخونة يزودون الأمريكان بالغذاء والوقود بالرغم من أنّ أمريكا فتحت الباب أمام الهند في أفغانستان ومكنتها من شن العلميات الإجرامية داخل باكستان! وهكذا حولت أمريكا باكستان بمساعدة الحكام الخونة إلى ساحة حرب، بعد أن ورطت الجيش الباكستاني، سابع أكبر جيش في العالم، ومالك السلاح النووي، ورطته في منطقة القبائل في حرب "الفتنة" التي لا تخدم إلا الاحتلال الأمريكي في أفغانستان.
أيها المسلمون:
إننا نؤكد لكم بأنّ العسر الذي يعيشه أهل باكستان لم يدخلهم في سبات، بل على العكس من ذلك فقد أيقظهم، وأحيى العقيدة الإسلامية المزروعة في قلوبهم، فقد لمسنا يقظتهم هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، كما لمسنا حاجتهم للإسلام ولدولة الإسلام، الخلافة. كما أنّ هذا الوعي قد انتشر في جميع جنبات هذه الأمة ومن ضمنهم أبناؤنا في القوات المسلحة، أبناء الأنصار رضوان الله عليهم الذين نصروا دين الله بمؤازرة الإسلام، وقد لمسنا التخوف من الحكم بالإسلام مؤخراً من خطابات الصليبيين الأمريكان، حيث قال ديفيد كيلكين مستشار قائد الحملة الصليبية ديفيد بتروييس في مقابلة له في شهر آذار 2009: "في باكستان 173 مليونا، وفيها 100 رأس نووي وفيها جيش أكبر من الجيش الأمريكي... لقد وصلنا إلى نقطة يمكن من خلالها مشاهدة سقوط دولة باكستان خلال ستة شهور... المتشددون سينقلبون عليها... لذا يلزمنا استخدام كل ما لدينا الآن لحرب الإرهاب". كما ورد في تحقيق الصحفي سايمور هيرش "إنّ الخوف من سيطرة طالبان على إسلام أباد ليس هو الخوف الوحيد بل ليس هو الأكبر، بل التخوف الأكبر يأتي من تمكن المتشددين في الجيش الباكستاني من الانقلاب على النظام... وقد توقع مسئول رفيع المستوى في إدارة اوباما أن يقوم حزب التحرير وهو حزب سني بالانقلاب والذي يهدف لإقامة دولة الخلافة... لقد تمكنوا من بناء خلايا لهم داخل صفوف الجيش."
إننا ندعو جموع المسلمين لرفع أيديهم إلى الله بالدعاء، وندعوهم أن يعملوا ويضاعفوا جهودهم في العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية يحكمها خليفة راشد بالإسلام ويقضي على الوجود الأمريكي في جميع إنحاء العالم الإسلامي، ويوحد المسلمين في دولة واحدة تكون أقوى دولة في العالم. ندعو الله أن يمن علينا بخليفة مخلصٍ يجيش الجيوش لرفع كلمة التوحيد ليكون الدين كله لله، إنّه هو القوي العظيم. كما ندعو الله بأنّ يزيل هذه الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الإسلامية، وأن يزيل عنا الحكم بالكفر، وبعدها لما ينفر المسلون للحج نشهد الوحدة الحقيقية للأمة الإسلامية، حين تجتمع أعظم أمة في العالم تحت راية حاكم واحد.
اللهم استجب لدعائنا وتقبل منا واعل رايتنا خفاقة فوق ربوع الأرض.
رسالة العيد من باكستان
المزيد من القسم null
كيف نبني وكيف نهدم - لا تكن تقليديا
. كان يا ما كان في سالفِ الدهرِ والزمانِ رجلٌ يعيشُ بحذرٍ شديدٍ أو كما يُقال " جنب الحيط "، وشعارُه في الحياةِ : (من خافَ سلِمَ ومن ربى أولادَه غنِمَ ) ، فكلِّ يومٍ جديدٍ يمر على صاحبِنا هو نسخةٌ لليومِ الذي قبله، واليوم الذي يليه أيضاً نسخةٌ من الذي قبله وهكذا، فاليوم يبدأُ بالذهابِ إلى عملِه ، ويذهبُ أولادُه إلى المدرسةِ ، بينما تخرجُ زوجتَه إلى عملِها ، ثم تلتقي العائلةُ على مائدةِ الغذاءِ ، ثم العشاءِ ، ثم الجلوسُ إلى التلفازِ أو بعضِ الزياراتِ ، فكل البيت يعيشُ في روتين يومي لا يتغيرُ أبداً. ولماذا يتغير ما دام الأبُّ والأمُّ والأولادُ سعداءُ وهم في غنى عن أي تغييرٍ. فالتغييرُ يعني المشاكل، ويعني التفريطُ في هذه الراحةُ والسعادةُ. إن بطلَ قصتِنا ومَنْ حولَه مرتاحين في بيتِهم والكل مرتاحٌ في حياتِه الخاصةِ. ولا ننسى أنهم جميعاً يقومون بما طلبه منهم اللهُ تعالى أو كما يظنون، فالأبُ يذهبُ إلى المسجدِ للصلواتِ الخمس، والأمُّ ترتدي الخمارَ والجلبابَ، بينما الأطفالُ يأكلونَ ويشربونَ مطمئنين، فأكثرُ ما يهددُ راحةَ هذه العائلةُ هو فقدانُ الوظيفةِ أو عزوفُ الناسِ عنهم، ولذلك فهناك مظاهرٌ يجبُ الحفاظُ عليها مهما كلف الأمر. فالأبُّ دائماً في حالِهِ، لا يتدخلُ فيما لا يُعنيه، فلا داعي للمجازفاتِ . ومع أن مَن حولَه يأخذون الرشاوَى ، فهو لا يُبالي، ومع انه يرى مِنْ حولِه الكثيرَ من المسلماتِ السافرات، لا يتحرك غيرة على أخواته . ومع انه أيضا يلاحظُ ظلمَ الحكومةِ في بلادِه، ويشعرُ بسوء رعايةِ شؤونِ الناسِ مِن حولِه، هو لا يُشغلُ نفسَه كثيراً بعناءِ التفكيرِ في المعالجات، لماذا ؟ لأن ذلك مخاطرةٌ تتطلبُ مواجهات، وتهدد راحته ، فأقصى ما يهمه في حياتِه سلامته وسلامة أولاده . والظروفُ من حولِه صعبة، من غلاءِ المعيشةِ، وضَنَك العيشِ وتعبٍ ومللٍ، وتهديدات أمنية على بلده المسلم ، في خضم كل ذلك ، بطلنا يعملُ جاهداً لتفادي أن يكونَ فريسةً لهذا الواقعُ الفاسدُ الذي تعيشُه أمته اليوم ، فماذا يعمل بطلنا ؟ هو يغلقُ على نفسِه باب داره وينعزل في محيط أسرته وبعض علاقاته ، وهو يظن بذلك أنه يُحسن صنعاً، فالواقعُ فاسدٌ بكل معنى الكلمة . النظامُ الإقتصادي في بلدِه قائمٌ على الربا، و النظامُ الإجتماعي يسير الناسُ بعاداتٍ وتقاليدَ ترمي بالأحكامِ الشرعيةِ وراءَ ظهورِها، ومناهجُ التعليمِ خرِبةٌ وهو يرى ذلك في أولاده ، فهم غير مهتمين إلا بالتوافه من المسائل، وفكرُهم خاوٍ، فلماذا لا تؤثر تلك المناهجُ التعليمية والمدارسُ الخاصة التي يدفع فيها بطلنا دم قلبه، لماذا لا تؤثر في شخصياتهم؟
ومع أن هناك الكثيرُ من الأسئلةِ تدور في رأسه حول أسلوبِ حياتِه، وهل ما يفعله كمسلمٍ يكفي أم لا، مع ذلك لا يتوقف بطلنا كثيراً عند هذه الاسئلةُ، فهو لا يريدُ أن يوجِعَ رأسَه بالتفكيرِ، ويفضّلُ متابعة مسلسل على التلفاز ليريح ذهنه من تعبِ النهارِ، وكذلك فهو لا يُتابعُ الأخبارَ، وذلك لأن متابعةَ الأخبار تحبطه ، فهي كلها أخبار سيئة ومكررة عن بلاوي في بلادِ المسلمينَ، وهذا لا يقوى عليه، ولا يتحمله، فيقومُ بالدعاءِ للمسلمينَ في الصلاةِ. فليس بيده شيءٌ يفعله، وكأن بطلنا نسى أنه البطل !! وكأنه نسى أنه من المسلمينَ، وان كل ما يقعُ عليهم يعنيه وكأنما وقع عليه ، لذلك ربما يتبرّع ، هذا البطل البائس ، بمبلغ من المال كل شهر لمساعدتهم. وهو يعلمُ جيداً أن له دور يربطه بالأمةِ الإسلاميةِ ، لكنه لا يفكر في ماهية هذا الدورُ. فهو رجلٌ تقليديٌّ ، يسير في حياتَه بصورةٍ تقليديةٍ " مسالمة "، ممنهجة ومخططةٍ، وهو ينفذها بحذافيرها، فكذلك يفعلُ كل الناسُ، وهو واحدٌ من هؤلاءِ الناس.
ولنخرج الان من القصةِ قليلاً وننظر إلى حياة بطلنا هذا من الخارج، فنجده مكبّلٌ فكرياً ، فأفكارِه لا تتعدّ هذه الحياةُ الدنيا، فهو لا يشغل نفسه في تفكيرٍ أعمق من ذلك، بالنسبة له الحياةُ قصيرةٌ ولا تحتمل التعقيد، وبطل قصتنا لا يحُل مشاكلَه بل يتظاهرُ بعدمِ رؤيتِها طبعا ، أملاً أن تختفي من تلقاءِ نفسِها ، وفعلياً هو قد تخلى عن حقوقِه التي اعطاها له اللهُ تعالى، فالله تعالى قد أنزل الأحكام الشرعية كاملة متكاملة لتعالج كل مشاكل الإنسان ، ولكنه لا يرجع للعقيدة الإسلامية كمصدر لحل مشاكله ، ولماذا لا يرجع لها ؟ لأن ذلك صعب والله تعالى أمرنا بالتيسير! ومثلا ، هو يعلمُ أن نظامَ الحكمِ في بلادِه نظامٌ ظالمٌ جائرٌ، يُنهَبُ ثرواتُ المسلمين، ولكنه يصمت عن ذلك ويغض طرفَه حتى (يمشي حاله)، وحقيقة هو يعيشُ في سجنٍ صنعه لنفسه، فسكت عما حوله من منكراتٍ، وتنازل عن حقه في إختيار من يحكُمَه، فأغتُصِب سلطانُ الأمةِ وهو يتفرجُ، والإسلامُ في حياتِه فقط عبادات، فهو أيضا قد سجن نفسَه وحرمها من حلاوة الإيمان الحقيقية، فالإسلام مبدأ وأسلوبُ حياةٍ متكامل، ولكن الرجل ، من شدة تبلده ، لا يتساءل أين هذا القرآنُ الذي يتلوه ليلَ نهار من التطبيق ؟
فعيشته المرتاحة حقيقة تجعل منه إمعة ولا قرار له، وتجعل منه ضعيفاً، فهو يعيش محاطاً بفسادٍ دخل بيتَه في عدة صور، وهو يتعامل معه بالتغاضي عنه ومحاولة التعايش معه، ولا يواجه نفسه بضرورة التغيير، فيفضل أن يتفرج على المبارياتِ، ولا يكون أبداً من اللاعبين في ميدان الحياة ، ظاناً بذلك أنه سلِم. والحقيقةُ أن حياتَه تضيع من بين يديه وكذلك آخرته، فلا يسأل نفسَه أين هو من الله تعالى الذي خلقه ؟ ولماذا خلقه ؟ فهل للعبادة أم للّهوِ في هذه الدنيا . هل هو عبد الخالق جل وعلا كما يستحق ؟ وكيف يستعد للحساب من بعد الموت ؟
فيجب أحبتي في الله، أن نبني في المسلم ضرورة محاسبةِ النفس وبذلِ الجهد في التفكرِ والتدبر في حقيقةِ هذه الحياةُ والإنسانُ والكونُ، كما يجب أن نبني في المسلمِ ضرورةَ كونه عضواً فاعلاً في الحياة، فلا يكون إمعةً ولا يكون مهمشاً، وعليه بالمبادرةِ بأخذِ زمامِ الأمورِ، وتوجيه حياته وحياة الآخرين ولا سيما ما يتعلق بأنظمة مجتمعه، وخصوصاً توجيه النظام الحاكم الى الطريقِ المستقيمِ الذي إرتضاه الله تعالى للناسِ أجمعين. فهذا حقه في الحياةِ والذي سيحاسبه الله تعالى عليه. كما يجب أن نهدمَ عقليةَ الحياةِ التقليديةِ، والروتين الذي يُبعِدُ المسلمُ عن الله تعالى، ونكسرَ قيودَ الخوفِ والتواكلِ التي تجعله متردداً، فنربَأ بأنفسنا ان نكون تقليديين بل يجب ان نكون غرباءَ في هذا الواقع الفاسد، ونعمل على تغييره ، فهذا هو دورُ المسلم في العالم، الأخذ بيد البشرية من الظلمات إلى النور، ففي الحديث ، قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" أي ان المسلم الحقيقي يكون غريباً في مجتمعٍ غلُب عليه البُعد عن الله تعالى. أيها الحضور الكرام، يجب علينا الثورة على الواقعِ الفاسد وليس مجاراته، وكسر القيود والحواجز وتخطي العوائق من كل نوع وليس الاستسلام ، للنجاح في التغيير ولو على حساب راحتنا، بذلك فقط نبني شخصيات قيادية ومبدعة يكونوا أبطالاً حقيقيين ولا يقنعون بدور خيال مآتة في قصة خيالية يعيشونها منعزلين عن ما يجري حولهم .
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.