March 25, 2013

ثورة الشام الكاشفة الفاضحة

عامان على هذه الثّورة المباركة.. هذه الثّورة الملحمة

هي ذاتيّة بأعلى درجات التّضحية

هي واعية يلتحم فيها السياسي بالتاريخي

هي مباركة يلتقي فيها البشري بالربّاني

ضمن ممكن تاريخي حاسم وهائل

هذه الثورة تعلن الفشل الذّريع.. بل الإجرام الشّنيع للعلمانية في عقر دار الإسلام.. علمانية ليس لها من وجاهة إلا زعمها حتميّة فصل الدين عن الحياة ولو بالإبعاد القسري والإزاحة غصبا من بعد خلع.

عندما جدّ الجدّ ووجدت الأمة نفسها أمام القضايا الحقيقية.. وهي ذاتيّتها التي لا تكون إلا بالإسلام.. وهي تحرّرها الذي لا يكون إلا بمضادة كل أشكال الاستعمار. عندما وجب لذلك أعلى درجات التضحية بما في ذلك التضحية بالأهل والولد بالمال والنفس.. تضحية تسقط وتتجاوز كل الحسابات والضمانات وتقول لربّها (إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي).. عندما تكون التضحية عند الخط الذي يسقط فيه الحاجز بين الحياة والموت.. إمكانا وتوقّعا واستعدادا للشهادة على الظالمين بأنّهم هم الظالمون وشهادة بالحق بأن أهلنا في الشام هم المنصورون وشهادة بين يدي ربّنا أنّنا إليه راغبون.. عندها لم تجد الأمة إلا المخلصين أبناء الصحوة الإسلامية الذين استناروا بالإسلام وأناروا وعركتهم الأحداث فازدادوا وعيا وتجاوزوا غباء السابقين الذين كانوا بالأمس يجاهدون ثم يأتي العملاء العلمانيون في الأخير لجني الثّمار والحكم والتحكّم. ذلك عهد ولّى وانقضى هكذا يعلمنا ثوّار الشّام الأحرار الأبرار... أضداد الكفر والاستعمار.

عندما جدّ الجدّ وطالب الناس في الشام بدرء مظلمة حكم جائر عليهم سامهم سوء العذاب.. حكمهم عقودا كالدّواب.. عندما ضجّ الناس وطالبوا بحياة كريمة عزيزة.. تنكّر لهم العلمانيون الغرباء عن أمتهم فكرا ووجدانا وسلوكا ومعاشا.. ووثّقوا صلات الرفقة والصحبة والأخوّة في مضمار الإجرام مع القاتل بشار.. صمتوا عن جريمة مكرّرة في المائة ألف أو يزيد متأكّدة بمئات آلاف الأدلة الناطقة بالدم والصراخ والعذاب.

لقد كان من بركاتكم يا أهلنا في الشام أن ثورتكم كانت معارك في واحدة مظهرها حربيّ قتاليّ وباطنها معركة عقائدية وحضارية وسياسية أطاحت بمستوطنات العلمانية في بلادنا. فسقط شعار حقوق الإنسان ولوازمه وأدواته وآلياته المنافقة... وصار عندهم الأمر هيّنا ومسألة فيها نظر.

صار علمانيّو الثقافة والسياسة شركاء لعلمانية حربيّة في سوريا تقصف الشعب والأمة بالمدفعية والصواريخ وكل أنواع الدمار.. مستعينين بدول الاستعمار سرّا وعلنا.

حين أذن الله للتاريخ أن يمهّد للصادقين الإنجاز الأعظم لهذه الأمة وحين طرحت القضايا الصادقة الكبرى واقتضت الرجال الذين يصدقون ويضحّون ولا يبدّلون تبديلا.. سقط السكارى والحيارى.. أولياء العلمانية بما هي استعمار واستيطان... سقطوا في الامتحان وصاروا أعوانا للمعتدين في عدوانهم.. تركوا الأيتام يتوجّعون ويبكون.. وتركوا الثّكالى بلا وليّ ولا نصير.. صوامع تهدّم.. وبيوت تدمّر.. وأشلاء تتناثر.. وهم في غيّهم يعمهون تشهد عليهم مقولاتهم ومزاعمهم التي صدّعوا بها الرؤوس أنّهم منافقون وتشهد عليهم الوقائع بما هي ابتلاء بأنّهم جبناء أو مجرمون.

فبوركتم يا أهلنا في الشام، وبورك من كان لكم عونا ونصيرا من صلب هذه الأمة المعطاء...

أنتم الكرماء. وأنتم الشّرفاء

ألمكم في صمته دعاء

وجعكم في كظمه وفي أنينه دعاء

وعيكم مع صبركم رجاء ودعاء

خذلان الآخرين لكم جزء من بشارة نبيّكم

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمّتي منصورين لا يضّرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة) أخرجه الترمذي

فثبّتوا الخطى.. لا بديل عن خلافة راشدة على منهاج النبوة تفي باستحقاق الزمان والمكان.. البلاد والعباد بخير أمّة أخرجها الله للناس.

الأستاذ رضا بالحاج

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في تونس

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.