وقفة تأمل مع الفرحين لفوز الدكتور مرسي برئاسة مصر
June 27, 2012

وقفة تأمل مع الفرحين لفوز الدكتور مرسي برئاسة مصر

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
اللهم نسألك الثبات في الدنيا والآخرة ، وأن لا نقول إلا الحق ..


أما بعد ، إنني والله حزين ، وآسف ، ومهموم في وقت فرح فيه الملايين ، واستاء فيه ملايين آخرون ، ولكن بعض المخلصين يشاركوني هذا الهم ، وهذا الحزن.

فرح الملايين بانتخاب الدكتور محمد مرسي الذي قضى سنوات من عمره في سجن الطغاة ينافح عن دين الله ، ويدعو لحكم الإسلام ، ويرفع شعارا بارقا ينادي بالإسلام هو الحل ، واستاء ملايين آخرون رأو أن وصول الإسلاميين للحكم نذير خطر في بلد أثنى رسول الله على أهله فقال أنهم خير أجناد الله في أرض الكنانة .. وكأني بهم أدركوا أن الإسلام قادم لا محالة فدقوا نواقيس الخطر في أرجاء أوروبا وأمريكا محذرين ومنذرين .. ومتآمرين على هذا الإسلام الذي يتمناه الملايين من أهل مصر وغير مصر من بلاد المسلمين في مشرقها ومغربها.

إن سألتم فيم أنا حزين ولماذا لم تشارك الملايين فرحتهم بوصول الإسلاميين إلى الحكم في أجدر بلد لحمل الإسلام ، وفيها الأزهر الشريف .. خادم الإسلام على مر العصور الزاهرة.

أجيب بما حفظت من كتاب الله ، وسيرة رسوله الأعظم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الله في كتابه الكريم ، (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ)
ويقول رسول الله عليه الصلاة والسلام ، "إن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه"

لنقف أمام هذا النجاح الذي حققه الدكتور مرسي وقفة تأمل ، وأظن أن من حق كل مسلم أن يقف ويسأل ، ومن كان الحق له لا يخشى أن يسأل أو يحاسب ، وقد كان الدكتور مرسي قد قال في خطابه الرئاسي الأول ، مقولة سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عندما تولوا الخلافة على المسلمين ، أطيعوني ما أطعت الله فيكم .. وطاعة الله تكون باتباع شرعه والاهتداء بهديه وتطبيق أحكامه ، وإن من حفظ القرآن عن ظهر غيب أجدر بمعرفة أحكامه ومعرفة المحكم منه والمتشابه ، ومن تولى هذا المنصب أقدر على حشد المستشارين المؤتمنين والفقهاء الربانيين ليبينوا له الحق فيتبعه ويقود الأمة به.
أما وأنه ثبت في كتاب الله الكريم أنه من لم يحكم بما أنزل الله .. فهو واحد من ثلاثة ، كافر أو فاسق أو ظالم .

وقد ثبت في كتابه الكريم أنه ( إن الحكم إلا لله أمر ) .. وأنه ( له الخلق والأمر )( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وأن ( الدين عند الله الإسلام ) وأنه ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

أما وأنه قد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه ما قبل المساومة في دين الله لمصلحة أو لمكسب آني شخصيا كان لنفسه أو لصحابته على حساب دينه ، حتى اشتهر قوله عليه الصلاة والسلام لعمه " والله يا عم لو وضعو الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أهلك دونه "


وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه عندما عرض نفسه على القبائل طالبا نصرتها جاءه العرض من بني عامر بن صعصعة، حيث قال له رجل منهم: (أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك)؟ فيرفض الرسول هذا العرض بكل ثقة أن الأمر لله يضعه حيث يشاء.


ثم تأتي الفرصة الأكثر إغراء...حين عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على بني شيبان، وهم من قبيلة قوية ذات منعة. وتلا عليهم القرآن فمالوا إلى نصرته حتى قال له المثنى بن حارثة:

(إنما نزلنا على عهدٍ أخذه كسرى علينا؛ ألا نحدث حدثًا، ولا نؤوي محدثًا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤيدك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا). أي أنهم استعدوا لنصرته على العرب لكن ليس على الفرس. فهل قبل رسول الله على أمل أن يقنعهم بالتخلي عن هذا الشرط لاحقاً؟ لا بل رفض اشتراطهم وكان مما قاله لهم: ((إن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه)).

وبعد أيها السادة الفرحون ، على ماذا تفرحون وأنتم ترون كيف يلبس عليكم إسلامكم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، وبشروط ليست من كتاب الله ، وبعقد باطل ووكالة فاسدة على غير ما يرضي الله ..

إنكم يا أهل مصر ، كنانة الله في أرضه انتخبتم الدكتور مرسي ليس لشخصه ، فقد كان قبله خيرت الشاطر ، وكان معه عبد المنعم أبو الفتوح وكلهم من رحم الإخوان المسلمين ، وكان ظاهرا على حملاتهم الانتخابية إرادة ترجيح كفة الإسلام في مصر ، ولكنهم ألبسو هذا الإسلام ثوبا غير ثوب رسول الله عليه الصلاة والسلام ، واستغفلوا البسطاء من الناس بوعود لا يمكنهم تحقيق شيئ منها ، في الوقت الذي يصرحون فيه جميعا بما يخالف شرع الله صراحا .


يمكن لمن أراد البحث عن مبررات لأي فعل مشين أن يجدها ويمكن أن تنطلي على البعض بعض المبررات لبعض الوقت ، ولكن هل يمكن أن تنطلي هذه المبررات على الجميع ، وهل يمكن أن يتسمر هذا الخداع مدى الدهر ، ؟ بالتأكيد لا ، وسيأتي اليوم الذي يستوعب الناس فيه الدرس كما استوعبوه قبيل الثورات المباركة ، حين أدركوا أن هؤلاء الحكام لم يكونوا منهم وأنهم خدعوهم وامتصوا دماءهم ونهبوا خيراتهم ، وقد يأتي الآن من يوفر لهم بعضا من العيش الهنيء أو يكون نزيها في إدارته فيحارب الفساد وينظف الدوائر الحكومية من المفسدين ، وغير ذلك من الوعود المنتظرة ، ولكنه بالتأكيد لن يوفر لهم السعادة والطمأنينة ، لأنها لا تكون إلا برضوان الله ، وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من ضنك العيش إن نحن أعرضنا عن ذكره ، فقال ، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًاوَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)،، فكيف يكون الحكم بغير ما أنزل الله مخرجا لهذه الأمة من هذا الضنك التي هي فيه الآن ، وفي هذا صريح مخالفة لسنة الله سبحانه وتعالى. وقد أوهمونا بتصريحاتهم أن الحكم بما أنزل الله الآن ليس في مصلحة مصر ، وكانوا قد وثقوا الوعود للغرب من قبل أنهم معتدلون في إسلامهم ، ليرضى عنهم الغرب وأعوانه.

يقولون أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فليكن الحكم بيننا وبينكم كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وليس غير ذلك ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) . ونرجو أن يكونوا في هذه عند حسن الظن به ، ولا يخلفوها ويتبرأوا منها عندما يشتد بهم الوطيس في المحاسبة على تنازلاتهم وتهاونهم في دين الله وتعاونهم مع الكفار أو قبولهم بالكفر الصراح في الدستور أو الحكم.

لا أريد هنا تحليل خطابه يوم الأربعاء 14/06/2012 ، والذي لم يذكر الإسلام فيه إلا عابرا في مقابل النصرانية وأكد على عروبة مصر ولم يذكر إسلاميتها ، وجاء على الوطن العربي ولم يجرؤ على ذكر العالم الإسلامي، ولا حتى بصفة الجوار ..

ولا أريد تحليل خطابه الرئاسي الأول الذي جاء في مجمله لطمأنة العلمانيين في الخارج وفي داخل البلد الإسلامي أن لهم مرتعا ومقاما أمينا، وأن مشكلته مع الفلول الذين كدروا عيش المسالمين وكأنه لم يدرك أن هؤلاء العلمانيين هم رأس الفلول وقمته ..

يكفينا أن نسمع منه ما قاله أنه جاء لبناء دولة مصر الوطنية الديمقراطية الحديثة ، عائدا بنا إلى ما نهى عنه رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام ، وما وصفه بالمنتن ، دعوة الوطنية الجاهلية ، وكأني بالمحتفلين بفوزه قد فاتهم أن يسمعوا قوله : سنحافظ على المعاهدات والمواثيق الدولية ، لقد جئنا للعالم برسالة سلام ،، ويكرر هذا مرات ومرات ، وقد كان سبقها أقوال أخرى يندى لها الجبين ، وعلى رأسها أنه اعتبر فوزه عيدا للديمقراطية ، وافتتح الخطاب بآيه أقر بها الفرحة بعيد الديمقراطية ، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ).

حتى عند الحديث عن الشهداء مسخ تضحياتهم لتكون ثمنا للحرية ومن أجل مصر ، وليس لإعلاء كلمة الله ، وهو يعلم أن الشهيد هو من مات لتكون كلمة الله هي العليا ، ولكن الله أعلم منه بنيات الشهداء الذين قضوا من أجل أن يصل إلى الحكم مسلم يحكم بما أنزل الله ، وليس ديمقراطيا متحررا من كتاب الله ، ويعيد التأكيد على ديمقراطية مصر ووطنيتها في قوله ، في قوله إننا كمصريين ، مسلمين ومسيحيين ، ويتعهد بأن يحافظ على حدود الدولة المصرية ، وعدم التدخل في شؤون أي دولة أخرى .

أحب هنا أن أقرأ على مسامعكم كلمات كتبها أخي الدكتور إياد قنيبي في حديث مستنير في موضوع "الآن فاز مرسي فما رأيكم " حيث قال في ختام مقاله وأتمنى على القارئ الكريم أن يتجرد من التعصب الذي يعمي ويصم. فنحن لسنا في مقام الشماتة ولا التعصب ولا الانتصار لجماعة بحق أو باطل...نحن الآن أمام خطر كبير، خدر شعورَنا به هذا "الانتصار" الموهوم...وليس المجلس العسكري، ومن ورائه قوى الغرب إلا أداة الله في هذه الخطر. أما الخطر ذاته فهو خذلان الله لنا. خَذَلْنا شريعته، فخذلنا. فلا أرى إلا أن تكاليف ضخمة ستُدفع من قِبل من رفضوا أن يؤدي ضريبة الكرامة. رئاسة مرسي لن تدفع هذا الخطر. بل المسألة تحتاج توبة...وتوبة من المشايخ والـ"إسلاميين" بالمقام الأول...نعم، توبة...لم تكن المسألة اجتهادا خاطئا يؤجرون عليه وانتهت المسألة. بل رأينا خليطا من الوهن وخوف التضحية وقلة التوكل على الله والتعلق بالأسباب وإرضاء الناس بسخط الله. ولا أريد هنا أن أَسمع كلاما عن هيبة المشايخ ومكانة العلماء والطبطبة على "الإسلاميين". فقضيتنا الآن هي فهم سنن الله تعالى والتوقي من الخطر القادم وإحسان الظن بالله عند وقوع هذه العقوبة، وأن ندرك يومها، يوم نقول: ((أنى هذا))...ندرك أنها ((من عند أنفسكم)).

نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل
اللهم رد المسلمين إلى دينك ردا جميلا، واستعملهم ولا تستبدلهم، ودبر لهم فإنهم لا يحسنون التدبير.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير
أبو فراس

المزيد من القسم null

تلخيص كتاب التفكير   الحلقة الثالثة

إن طرق التفكير اثنتان هما العقلية والعلمية، ويجب أن تكون العقلية هي الأساس؛ لأنها تتضمن التجربة والملاحظة، وتؤدي إلى الحكم القطعي بوجود الشيء من عدمه، وإن كانت نتيجة ماهية الشيء ظنية. أما العلمية فلا تصلح إلا على المادة، وقد تحكم على الموجود بعدمه. وعند تعارض نتيجة بالطريقة العقلية مع نتيجة بالطريقة العلمية تؤخذ الطريقة العقلية لأن نتائجها قطعية.


إن الأسلوب المنطقي هو من أساليب الطريقة العقلية، فهو يقوم على بناء فكر على فكر وصولا إلى الحس، مثل القول أن اللوح هو خشب وأن الخشب يحترق وبالتالي فإن اللوح يحترق، فإنه إن كانت الأفكار صحيحة كانت النتيجة صحيحة، وإن كانت خاطئة كانت النتيجة خاطئة، وبما أنها ترجع إلى الحس فإنها وبدل أن تُختبر النتيجة الحاصلة من الأسلوب المنطقي بالطريقة العقلية، يجب أن نلجأ رأسا إلى الطريقة العقلية.


إنّ الطريقة العلمية لا تفترض عدم وجود رأي سابق من حيث هو رأي، بل وجود حكم مسبق، فليس المقصود عدم وجود رأي سابق أو إيمان سابق، بل المقصود حكم سابق؛ لأنه بدون وجود المعلومات السابقة لا يحصل التفكير. أما أن يتخلى الباحث عن الرأي السابق، فإنه إن كان البحث ظنيا ونتيجته ظنية وكان الرأي السابق قطعيا فيجب عدم التخلي عن الرأي، وأما إن كان البحث قطعيا فإنه لا بد من التخلي عن كافة المعلومات السابقة ضرورة من أجل سلامة البحث. وأما الموضوعية فهي تعني بجانب التخلي عن الرأي السابق حصرَ البحث في الموضوع المعني، فلا نبحث في أي أمر آخر، فعند البحث في حكم شرعي لا نبحث في الضرر أو مصالح الناس.


إن الطريقة المنطقية فيها قابلية الخداع والتضليل، وذلك لأنها تُبنى على مقدمات، وصحة هذه المقدمات أو خطؤها لا يمكن إدراكها بسهولة في كافة الأحوال، وقد توصل إلى نتائج متناقضة في نفس الموضوع، فوجب نبذ هذه الطريقة، على أنها لا تبدأ بالحس أولا ولكنها تنتهي بالإحساس بالواقع. وطريقة القرآن هي الطريقة العقلية، فهي تأمر باستعمال الحس للوصول إلى الحقيقة، فمثلا تأمر بالنظر إلى الإبل كيف خلقت، وهذا في مجال إقامة البرهان، أما في مجال إصدار الأحكام فإنها تعطي أحكاما محسوسة لوقائع محسوسة، والحكم على الواقع يأتي بالطريقة العقلية.


إن الطريقة العقلية هي التي تؤدي إلى النتيجة الأقرب إلى الصواب فيما هو ظني، وإلى النتيجة القاطعة فيما هو قطعي. ونظرا للتجدد الدائم لا بد أن يُبحث في أمور عدة غير طريقة التفكير؛ لأنها قد تكون عرضة للانزلاق، مثل ما يصح التفكير فيه وما لا يصح.


إذ أن ما يصح التفكير فيه هو ما يقع عليه الحس؛ وذلك لأن تعريف الطريقة العقلية هي نقل الواقع، والتفكير فيما لا يقع عليه الحس هو عقدة العقد، وما نتائج الفلسفة إلا من قبيل التخيلات والفروض لأنها ليست فيما يقع عليه الحس، وكذلك فإن القول بأن الدماغ مقسم أمر لم يقع عليه الحس. أما الأشياء التي لا نحس بها بل نحس بأثرها فإنه يمكن أن يتم بحث وجودها بالطريقة العقلية؛ لأن الأثر يدل على الوجود وليس على طبيعة الموجود.


إنّ الصفة ليست الأثر، وبالتالي لا يمكن بواسطتها الحكم على الشيء، مثلاً القول بأن الإسلام دين عزة لا يعني أن المسلم يكون عزيزاً، لأن العزة ليست هي الدين، بل هي فكرة من أفكاره، عدا عن أن اعتناق دين لا يعني التقيد به، والتقيد به هو صفة.


ولا يقال أن حصر التفكير فيما يقع الحس عليه أو على أثره هو جعل الطريقة العلمية أساسا للتفكير وبالتالي أين ذهبت الطريقة العقلية، لا يقال ذلك لأن الطريقة العلمية تحصر الموضوع في المحسوس الذي يخضع للتجربة، فهي طريقة صحيحة، ولكن الطريقة العقلية تحصر التفكير في المحسوسات. إن كافة الفروض والتخيلات ليست فكرا فهي لم تنتج بالطريقة العقلية.


أما من يتساءل عن المغيبات - سواء المغيبات عن المفكر أو المغيبات عن الإنسان - هل يعتبر التفكير فيها عملية عقلية؟ فالجواب أن المغيبات عن المفكر هي مما يقع عليه الحس، وبالتالي تعتبر عملية عقلية، فلو لم يرَ أحد الكعبة ولكنه فكر فيها، يكون قد أنتج فكراً. وأما المغيبات فهي إن ثبت أصلها وصدقها بالدليل القطعي فإن التفكير فيما ينتج عنها هو فكر، سواء ثبتت صحة صدورها منه بالقطع أو بغلبة الظن، وهي إن صح صدورها بالقطع فإنه يجب تصديقها تصديقا جازما، وإن صح صدورها بغلبة الظن فيجوز تصديقها تصديقا غير جازم، أما ما لم يثبت وجوده أو صدقه فيعتبر تخيلات.

معالم الإيمان المستنير   المعلم الخامس: الهدى والضلال - ح1

أيها المسلمون:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:


أيها المؤمنون:


قال الله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر‌ وازر‌ة وزر‌ أخر‌ى وما كنا معذبين حتى نبعث ر‌سولا). (الإسراء 15)


خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن صورة، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ووهب له العقل الذي به يعقل الأشياء، وبه يفكر ويميز الخير من الشر، والحق من الباطل، والنافع من الضار، والهدى من الضلال. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الإنسان قابلية الهدى أو الضلال. والله سبحانه يثيب المهتدي، ويجعل جزاءه الجنة لأنه اختار الهدى على الضلال، ويعاقب الضال، ويجعل جزاءه النار لأنه اختار الضلال على الهدى.


فإذا اختار الإنسان لنفسه الهداية نجا من عذاب النار, وإذا اختار الضلال فإنه سيهوي فيها, وهذا معنى قوله تعالى: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها). (الإسراء 15) فما معنى الهدى؟ وما معنى الضلال في لغتنا العربية؟ وهل للهدى والضلال معنى في الاصطلاح الشرعي؟


للإجابة عن هذه التساؤلات نقول: الهدى لغة معناه الرشاد. نقول: هدى خالد عامرا. أي دله وأرشده إلى العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، أو إلى العمل النافع والمفيد الذي ينفع صاحبه في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.


والضلال لغة هو ضد الهدى والرشاد. نقول: ضل سعي فلان. أي عمل عملا فذهب هباء، ولم يعد عليه نفعه. أما الهداية شرعا فهي الاهتداء إلى الإسلام. وأما الضلال شرعا فهو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. هذا وإن العمل الصالح يعود خيره وثوابه على فاعله، والعمل السيئ يعود شره وإثمه على فاعله. قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ر‌بك بظلام للعبيد). (فصلت 46)


الهداية شرعا هي الاهتداء إلى الإسلام، والضلال شرعا هو الانحراف عن الإسلام والابتعاد عنه. فمن أراد الهداية وفقه الله إليها، كما وفق نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عندما كان يتفكر في غار حراء، قال تعالى: (وإن اهتديت فبما يوحي إلي ر‌بي). (سبأ 50) ومن أراد الضلال خذله الله تعالى، ولم يوفقه للهداية، كما فعل مع عدو الله فرعون، ومع أبي لهب.


أيها المؤمنون:


وقد أراد الله تعالى بكم خيرا مرتين؛ لأنكم اخترتم الهداية: مرة حين يسر لكم دراسة هذا الدين الحنيف, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين". ومرة حين هداكم للإيمان. قال تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). (الأعراف 43)


واعلموا أن من أطاع الله تعالى فقد اهتدى، ومن أطاع الشيطان فقد ضل وغوى، واعلموا أيضا أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي طاعة لله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى, قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى".


فإذا اختار الإنسان الضلال فإن الله تعالى لا يوفقه للهداية، وإذا اختار الإنسان الهداية فإنه يكون قد اختارها بهداية الله تعالى وتوفيقه، ويكون الله تعالى قد يسر له أسبابها. قال تعالى: (الذي خلقني فهو يهدين ). (الشعراء 78) وقال تعالى: (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ). (الأحزاب 4)


لذا ينبغي على المسلم أن يحمد الله تعالى دائما على أن هداه للإسلام فيقول: الحمد لله على نعمة الإسلام, وكفى بها من نعمة! الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله! فمن أعطى الطاعة لله، واتقى المعصية، وصدق كلمة التوحيد، فإن الله تعالى سيهيئه لدخول الجنة، والدليل على ذلك قول الله تعالى: (فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسر‌ه لليسر‌ى). (الليل 7) ومن بخل عن الطاعة لله، واستغنى عن الجنة بشهوات الدنيا, وكذب بكلمة التوحيد, فإن الله تعالى سيهيئه لدخول النار والدليل على ذلك قول الله تعالى: (وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسر‌ه للعسر‌ى). ( الليل 10)


جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وأعاذنا وإياكم من النار. آمين يا رب العالمين!


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.