وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 56) اللهم نسألك إيمانًا كإيمان الصحابة بالجنة والنار لنفوز فوزًا عظيمًا
وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 56) اللهم نسألك إيمانًا كإيمان الصحابة بالجنة والنار لنفوز فوزًا عظيمًا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: ...

0:00 0:00
Speed:
July 11, 2023

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول (ح 56) اللهم نسألك إيمانًا كإيمان الصحابة بالجنة والنار لنفوز فوزًا عظيمًا

وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول

(ح 56)

اللهم نسألك إيمانًا كإيمان الصحابة بالجنة والنار لنفوز فوزاً عظيماً

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد:

أيها المؤمنون:

أحبّتنا الكرام:

السَّلَامُ عَلَيكُمْ وَرَحْـمَةُ اللهِ وبركاتُه، وَبَعْد: نُواصِلُ مَعَكُمْ حَلْقَاتِ كِتَابِنَا: "وقفات تأملية مع كتاب الشخصية الإسلامية - الجزء الأول". وَمَعَ الحَلْقَةِ السادسةِ والخمسين، وَهِيَ بِعُنْوَانِ: "اللهم إيمانًا كإيمان الصحابة بالجنة والنار؛ لنفوز فوزًا عظيمًا".

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني - رحمه الله -:"ومن الإيمان بيوم القيامة الإيمان بأن الجنة حق، وأن النار حق". ونقول راجين من الله عفوه ومغفرته ورضوانه وجنته: أين نحن من الإيمان بالجنة ومن الإيمان بالنار؟ لا بد إذًا من وقفة نتساءل فيها: لماذا لا نتفاعل مع الجنة والنار كما كان يتفاعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟ نعم نحن نحب الجنة، ونخاف من النار، ولكن هل تملأ قضية الجنة والنار علينا حياتنا كما كانت تملأ على الصحابة حياتهم؟ وهل نعيشها المعايشة التي كان يعيشها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جلست أفكر في هذه القضية، وقلت: لعل الأمر يرجع إلى نقص في معلوماتنا عن الجنة، وما من شك في أن من يعلم تفصيلات عن الجنة يشتاق إليها بصورة أكبر من الذي يعلم عن الجنة إجمالًا دون الخوض في التفصيلات، يعلم أنها شيءٌ جميل فحسب، وأن النار شيءٌ صعب وخطير فقط، وأن من لديه تفصيلات أكثر فمن المؤكد أنه يشعر بالمعاني أكثر.

تعالوا بنا إخوة الإيمان نسمع عن الجنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تحيَّرت كثيرًا في اختيار الأحاديث التي تتحدث عن الجنة، مئات من الأحاديث، أو أكثر جاءت في وصف الجنة، اخترت منها حديثًا يذكر أقلّ أهل الجنة نصيبًا، وأقلهم نعيمًا، وكل أهل الجنة أكثر من هذا الرجل ملكًا ونعيمًا. روى الإمام مسلم بسنده عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهْوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً، وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا»، أي أن هذا الرجل بعد أن خرج من النار نظر إليها وإلى هيئتها، وعظمتها، وجبروتها، «فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ»، فهو يظن أنه لا أحد في مثل ما هو فيه من نعيم النجاة من النار، ولا يعلم أن كثيرًا من المؤمنين يتنعمون في الجنة منذ سنين، وسنين، «فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا.، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ. وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا.. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنَيْتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا، فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ لِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، فَيَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟». قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ، هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يَعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْه، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا فَيَسْمَعُ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَدْخِلْنِيهَا، فَيَقُولُ: «يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَصْرِينِي مِنْكَ»؟، أي ماذا يقطع مسألتك عني، والمعنى متى تكف عن السؤال؟ «أَيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا».

انظروا الدنيا الواسعة الضخمة الكبيرة التي تمتلئ بالأملاك والحاجات يُعطاها هذا الرجل الذي هو أقل أهل الجنة منزلة، وليست الدنيا فحسب بل وَمِثْلَهَا مَعَهَا، قَالَ: «يَا رَبِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»، ربما لم يصدق الرجل بداية ما يُعرض عليه من النعيم، والملك فهو منذ قليل كان ينتقل من شجرة لشجرة، فكيف يكون له الدنيا ومثلها معها؟ ومن ثم يسأل ربه مستوضحًا متعجبًا لهذا العرض العظيم قائلًا: «يَا رَبِّ أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟»، فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: "أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَك؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حِينَ قَالَ: «أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ!!»".

وانظر إلى هذه الزيادة في صحيح مسلم رحمه الله بسنده عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ: مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟». يظن الرجل أن الناس قد استقرّوا في الجنة منذ سنين طوية، ولم يبق فيها مكان له، فَيُقَالُ لَهُ: «أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَة: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ، وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ»، هذا الرجل ليس الصديق أبو بكر، أو الفاروق عمر، وليس عثمان بن عفان، أو علي بن أبي طالب، وإنما هو آخر من يدخل الجنة، وأقل أهل الجنة ملكًا، ليس هذا فحسب، بل يُقال له أيضًا: «وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ». وقد عجب سيدنا موسى عليه السلام من هذا الأمر كثيرًا، فإذا كان هذا ملك أقلّ أهل الجنة منزلة فكم يكون ملك أعلاهم منزلة؟ فسأل موسى عليه السلام ربّه: «قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)» (السجدة 17).

روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ». تخيلوا كم ألف مليون سنة ضوئية بين السماء والأرض، وتخيلوا أيضًا أن الدرجة الواحدة في الجنة من نصيب المجاهدين تملأ ما بين السماء والأرض، وللمجاهدين وحدهم مائة درجة. روى البخاري عن أبي موسي الأشعري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إن فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا»، أي حوالي مائة كيلو متر، هذا حجم شقة واحدة في الجنة، ويمكن أن يكون عند المجاهد أكثر من شقة بهذا الوصف الرائع، والحجم الهائل، «فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُون». فهذا هو بيتك أيها المؤمن في الجنة «خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ»، ولك أيضًا قصر آخر.

وروى البخاري أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا»، كم هي رحمة الله سبحانه وتعالى بنا؛ فهو يعطينا هذا الملك العظيم الدائم، على أعمال بسيطة للغاية، إنّ كل ما نقدمه لا يساوي شيئًا بالنسبة  لنصيبنا في الجنة، ومهما قدمنا من أعمال حتى وإن بذلنا المال، والنفس، والجهد، والوقت، هل نكافئ هذا النعيم العظيم؟ إنها رحمة الله عز وجل التي يمنحنا إياها، فكيف نبتعد عنها؟! روى البخاريُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «...وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا» -أي ما بين الجنة والأرض، أو ما بين السماء والأرض- «وَلَمَلَأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِي الْخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، وقد يكون للمؤمن من مثلها واحدة، أو اثنتان، أو ثلاثة، أو أكثر، بل ربما يكون للمؤمن اثنتان وسبعون من الحور العين إن كان من الشهداء في سبيل الله.

وفي الواقع ليس هناك بدائل أُخرى عن الجنة، إنه بديل واحد (النار) والعياذ بالله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أول يومٍ أعلن فيه للناس دعوته قال: «وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا أَوِ النَّارُ أَبَدًا»، تُرى ما هو حجم النار؟ وما هو هول النار؟ وما هو أهون أهل النار عذابا؟ لقد رأينا نصيب من هو أدنى أهل الجنة منزلة، لنرى أيضًا كيف سيكون حال من هو أقل أهل النار عذابًا؟

روى البخاري ومسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه وأرضاه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ»، وفي رواية أخرى: «جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ»، وصرحت بعض الأحاديث أن هذا الرجل الذي هو أهون أهل النار عذابًا، هو أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أقلهم عذابًا، فكيف بمن هو أكثر منه عذابًا؟ روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»،قِيلَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً"، قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا».

من هنا نفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً»، أي يُؤتي بملك ظالم، أو سلطان متكبر، أو حاكم جبار، رجل كان يعيش في نعيم كبير في الدنيا، لكنه من أهل النار، «ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ». لقد ضاعت متعة المال، ومتعة الملك، ومتعة النساء، ومتعة السلطة، كل هذا ذهب مع هذه الغمسة في الجحيم، لقد نسِيَ كل شيء مما كان يتمتع به غاية التمتع في الدنيا!!

«وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فقير معدم، معذب مظلوم مبتلى، مريض محروم، مصاب في ماله وأهله وولده وعمله ووطنه في كل شيء مجروح أو مقتول، فَيُصْبَغُ «صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ». لماذا إذًا لا ننشغل بالجنة؟ ولماذا لا نخاف من النار؟

إننا عندما نعلم جيدًا، ونتدبر حجم الجنة، وحجم النار، وقيمة الجنة، وخطورة النار، نستطيع أن نفسّر مقولة الصحابي الجليل حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه، هذه الكلمة العجيبة التي أوقفتني أمامها طويلًا أفكر في معناها إنها كلمة في منتهى الغرابة، روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «لما طعن حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه يوم بئر معونة، وفي رواية حتى أنفذه بالرمح»، أي أن الرمح اخترق الظهر وخرج من الصدر، لنتخيل هذا الموقف، ونعيشه جيدًا، هذا في عرف الناس مُنْتهٍ تمامًا، فقد كل شيء، ولكننا نجده يقول: "الله أكبر، فزت ورب الكعبة". أي فوز هذا؟! لقد فَقَدَ الرجل حياته في عُرْف الناس، لكنه فاز بالجنة التي تحدثنا عنها منذ قليل، وفاز أيضًا بالنجاة من النار، لقد تيقن رضي الله عنه من هذا الفوز، لماذا؟ نفذ الرمح في جسده، وتأكد أنه سينال الشهادة، ويفوز بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسينتقل من أرض المعركة إلى الجنة مباشرة، «يُغفَرُ للشهيد مع أول قطرة دم منه، وَيُرَى مقعده في الجنة، وهذا ما كان يريده حرام بن ملحان رضي الله عنه وأرضاه، أن يغفر له، وأن يفوز بالجنة. قال تعالى: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ). (آل عمران185)

فهذا هو الفوز الحقيقي، ولهذا قال رضي الله عنه: "الله أكبر، فزت ورب الكعبة". ربما نكون لا نعلم كل هذه المعاني العظيمة، ربما لا نعلم الكثير عن الجنة والنار، ينبغي علينا أن نقرأ عن الجنة، ونتعايش مع ما نقرؤه عنها، أو نسمعه، وأيضًا ينبغي أن نقرأ عن النار، ونظلّ خائفين من عذابها، ومن هولها، وكأننا قريبين منها، نخاف من النار كخوف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

إخوة الإيمان: هلمّوا إلى ربكم، فإن ما قلّ وكفى، خير مما كثر وألهى. «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» (الصحيح المسند 358)

إخوة الإيمان: إذا كنتم تريدون الجنة حقًا، فاعلموا أن ثمنها غالٍ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ، والله عز وجل لا يبيع سلعته بثمن بخس، دراهم معدودات، هذا مستحيل، إنما ثمنها الذي يريد سبحانه وتعالى هو النفس والمال وكل شيءٍ قال جل شأنه: )إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ(. (التوبة111)

اللهم اجمع لنا أمرنا، ولا تفرّقه علينا، واجعل غنانا في قلوبنا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، واجعل الجنة هي دارنا، ومستقرنا، ومأوانا، آمين، آمين، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة، مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِمًا، نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ، سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام، وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا، وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه، وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فِي القَريبِ العَاجِلِ، وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها، إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم ، وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

More from null

Reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche" - Episode Fifteen

Reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche"

Prepared by Professor Muhammad Ahmad Al-Nadi

Episode Fifteen

Praise be to God, Lord of the Worlds, and prayers and peace be upon the Imam of the pious, the Master of the Messengers, sent as a mercy to the worlds, our master Muhammad and all his family and companions. Make us with them, and gather us in their company, by your mercy, O Most Merciful of the merciful.

Dear listeners, listeners of the Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir:

Peace, mercy, and blessings of God be upon you. In this episode, we continue our reflections on the book: "Elements of the Islamic Psyche." In order to build the Islamic personality, with attention to the Islamic mentality and the Islamic psyche, we say, with God's help: 

O Muslims:

We said in the last episode: It is also Sunnah for a Muslim to supplicate for his brother behind his back, just as it is Sunnah for him to ask his brother to supplicate for him. It is Sunnah for him to visit him, sit with him, keep in touch with him, and share with him for the sake of God after loving him. It is recommended for a Muslim to meet his brother with what he likes to please him with that. We add in this episode and say: It is recommended for a Muslim to give gifts to his brother, according to the hadith of Abu Hurairah, which was reported by Bukhari in Al-Adab Al-Mufrad, Abu Ya'la in his Musnad, Al-Nasa'i in Al-Kuna, and Ibn Abd Al-Barr in Al-Tamhid. Al-Iraqi said: The chain of narrators is good, and Ibn Hajar said in Al-Talkhis Al-Habir: Its chain of narrators is good, he said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Exchange gifts, you will love one another." 

It is also recommended for him to accept his gift and reward him for it, according to the hadith of Aisha in Bukhari, who said: "The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, used to accept gifts and reward for them."

And the hadith of Ibn Umar in Ahmad, Abu Dawood, and Al-Nasa'i, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever seeks refuge in God, grant him refuge, and whoever asks you in the name of God, give him, and whoever seeks protection in God, protect him, and whoever does you a favor, reward him, and if you do not find anything, then supplicate for him until you know that you have rewarded him."

This is between brothers, and it has nothing to do with the gifts of the subjects to the rulers, as they are like bribery, which is forbidden. And one of the rewards is to say: May God reward you with good. 

Al-Tirmidhi narrated from Usama bin Zaid, may God be pleased with them both, and said it is good and authentic, he said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever has a favor done to him and says to the one who did it: "May God reward you with good," then he has exaggerated in the praise." And praise is gratitude, i.e., reward, especially from someone who finds nothing else, as Ibn Hibban narrated in his Sahih from Jabir bin Abdullah, who said: I heard the Prophet, may God bless him and grant him peace, say: "Whoever is given a favor and does not find anything better than praise for it, then he has thanked him, and whoever conceals it has disbelieved, and whoever adorns himself with falsehood is like one who wears two garments of falsehood." And with a good chain of narrators, Al-Tirmidhi narrated from Jabir bin Abdullah, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever is given a gift and finds something to repay it with, let him repay it, and if he does not find anything, let him praise it, for whoever praises it has thanked him, and whoever conceals it has disbelieved, and whoever adorns himself with what he has not been given is like one who wears two garments of falsehood." And disbelieving in the gift means concealing and covering it up. 

With an authentic chain of narrators, Abu Dawood and Al-Nasa'i narrated from Anas, who said: "The Muhajirun said, "O Messenger of God, the Ansar have taken all the reward, we have not seen a people who are better at giving a lot, nor better at consoling in a little than them, and they have spared us the burden," he said: "Do you not praise them for it and supplicate for them?" They said: "Yes," he said: "That is for that." 

A Muslim should be grateful for the little as he is grateful for the much, and be grateful to the people who do him good, as Abdullah bin Ahmad narrated in his additions with a good chain of narrators from Al-Nu'man bin Bashir, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever is not grateful for the little, is not grateful for the much, and whoever is not grateful to the people, is not grateful to God, and talking about God's blessings is gratitude, and leaving it is disbelief, and the group is mercy, and division is torment."

It is Sunnah to intercede for one's brother for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty, as Al-Bukhari narrated from Abu Musa, who said: "The Prophet, may God bless him and grant him peace, was sitting when a man came asking, or seeking a need, he turned his face to us and said, "Intercede, so that you may be rewarded, and God will decree on the tongue of His Prophet what He wills."

And as Muslim narrated from Ibn Umar from the Prophet, may God bless him and grant him peace, who said: "Whoever is a connection for his Muslim brother to a person of authority for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty, will be helped to cross the Path on the day when feet slip."

It is also recommended for a Muslim to defend the honor of his brother behind his back, as Al-Tirmidhi narrated and said this is a good hadith from Abu Al-Darda' from the Prophet, may God bless him and grant him peace, who said: "Whoever defends the honor of his brother, God will ward off the fire from his face on the Day of Resurrection." This hadith of Abu Al-Darda' was narrated by Ahmad, and he said its chain of narrators is good, and Al-Haythami said the same. 

And what Ishaq bin Rahwayh narrated from Asma bint Yazid, who said: I heard the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, say: "Whoever defends the honor of his brother behind his back, it is a right upon God to free him from the Fire." 

Al-Quda'i narrated in Musnad al-Shihab from Anas, who said: The Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "Whoever supports his brother behind his back, God will support him in this world and the hereafter." Al-Quda'i also narrated it from Imran bin Hussein with the addition: "And he is able to support him." And as Abu Dawood and Al-Bukhari narrated in Al-Adab Al-Mufrad, and Al-Zain Al-Iraqi said: Its chain of narrators is good from Abu Hurairah that the Messenger of God, may God bless him and grant him peace, said: "The believer is the mirror of the believer, and the believer is the brother of the believer, from wherever he meets him, he protects him from his loss and surrounds him from behind."

O Muslims:

You have learned from the noble Prophetic hadiths mentioned in this episode and the previous episode that it is Sunnah for whoever loves a brother for the sake of God to inform him and let him know that he loves him. It is also Sunnah for a Muslim to supplicate for his brother behind his back. It is also Sunnah for him to ask his brother to supplicate for him. It is Sunnah for him to visit him, sit with him, keep in touch with him, and share with him for the sake of God after loving him. It is recommended for a Muslim to meet his brother with what he likes to please him with that. It is recommended for a Muslim to give gifts to his brother. It is also recommended for him to accept his gift and reward him for it.

A Muslim should be grateful to the people who do him good. It is Sunnah to intercede for one's brother for a benefit of righteousness or to facilitate a difficulty. It is also recommended for him to defend the honor of his brother behind his back. So why don't we adhere to these Sharia rulings and all the rulings of Islam, so that we may be as our Lord loves and is pleased with, so that He may change what is within us, improve our conditions, and we may win the best of this world and the hereafter?! 

Dear listeners: Listeners of the Media Office Radio of Hizb ut-Tahrir: 

We will suffice with this amount in this episode, with the understanding that we will complete our reflections in the coming episodes, God willing. Until that time and until we meet you, we leave you in God's care, protection, and security. We thank you for your kind listening, and peace, mercy, and blessings of God be upon you. 

Know, O Muslims! - Episode 15
November 14, 2025

Know, O Muslims! - Episode 15

Know, O Muslims!

Episode 15

Among the assisting bodies of the Khilafah state are the ministers whom the Caliph appoints to assist him in bearing the burdens of the Khilafah and fulfilling its responsibilities. The multitude of the Khilafah's burdens, especially as the Khilafah state grows and expands, makes it difficult for the Caliph to bear them alone, so he needs someone to help him bear them to fulfill its responsibilities. However, it is not correct to call them ministers without restriction, so that the meaning of the minister in Islam, which is in the sense of an assistant, is not confused with the meaning of the minister in the current man-made systems based on democratic, capitalist, secular, or other systems that we witness in the present era.