في مقابلة بثتها قناة الساحات، يوم الأحد 2025/8/3 فجّر الفريق سلطان السامعي، عضو المجلس السياسي الأعلى في صنعاء، جملة من التصريحات الصادمة، أبرزها اعترافه بأن المجلس السياسي الأعلى مجلس شكلي لا يملك القرار الفعلي، وأنهم عاجزون حتى عن إيقاف فاسد واحد، رغم أن الفساد يُمارَس علناً ويُدار من جهات عليا. وأشار إلى خروج أكثر من 150 مليار دولار من البلد، وتحوّل أشخاص من حفاة إلى
اقرأ المزيد ←
لقد تعارف الناس على النفور من الجُبْن واعتباره صفة بذيئة لا تلازم إنسانا إلا وأوجدت عنده الذل والخنوع. وقد كان الناس عبر التاريخ -ولا يزالون- يقدِّرون كل شجاع ويضربون به الأمثال. و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجُبْن كما روى البخاري في صحيحه وأحمد في مسنده، «حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالجُبْن وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ». وقد يكون الجُبْن أمام عدو غاشم، أو أمام حاكم ظالم، أو أمام مجتمع فاسد أو أمام انسان متغطرس متكبر. وقد ضرب المسلمون - ولا زالوا- أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام على محاربة الأعداء، فإذا ما داهم الأعداء بلداً من بلاد المسلمين، خرج أهل البلد وغيرهم من المسلمين للدفاع عنه ودحر العدوان، والأمثلة كثيرة على ذلك مثل العراق وفلسطين والشيشان وغيرها. وقد ضرب المسلمون أيضاً أروع الأمثلة في الشجاعة والإقدام في القتال في سبيل الله ونشر رسالته حتى أصبح الجيش الإسلامي عند أعدائه جيشاً لا يُقهر ولا يُتغلب عليه. وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته قبل ذلك أروع الأمثلة في الشجاعة وعدم الجُبْن في حمل الدعوة الإسلامية لأهل مكة وغيرها، وصبروا وتحملوا كل أنواع العذاب، ولم تفتر لهم عزيمة حتى نصرهم الله بإقامة الدولة الإسلامية في المدينة. وقد جاء الإسلام وحث المسلمين على الشجاعة السياسية؛ وهي الشجاعة في رعاية شؤون الناس ومحاسبة من يقصر في هذه الرعاية. والسياسة لغةً تعني الرعاية، وقد جاء الإسلام وأكد هذا المعنى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ» (صحيح مسلم). أي كانت ترعاهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (صحيح البخاري). وقد فرض الله عز وجل على الأمة الإسلامية أن تحاسب حاكمها، وتقوِّم اعوجاجه، وتراقب أعماله وتصرفاته، وتطيعه في غير معصية الله عز وجل، قال تعالى «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (آل عمران: 110). وروى أحمد في مسنده «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الجهاد أفضل قال كلمة حق عند إمام جائر». وقد فهم الصحابة هذا الحكم وهو الإقدام على محاسبة الحاكم وعدم الجُبْن أمامه، وقد تبعهم في ذلك التابعين وتابعي التابعين، وضربوا أروع الأمثلة في ذلك. فقد حاسب المسلمون عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأبراد اليمانية وفي تحديد المهور، وحاسب الصحابة رضوان الله عليهم معاوية، وحاسب التابعون حكامهم وولاة أمرهم، والقصص كثيرة ومشهورة عن سعيد بن جبير مع الحجاج، وسعيد بن المسيب مع عبد الملك بن مروان، وتبعهم في ذلك فقهاء المسلمين من أمثال أحمد بن حنبل وأبو حنيفة ومالك وغيرهم الكثير من علماء الأمة، ولم يقبلوا من الحاكم تقصيراً أو ظلماً ولو في حُكْم واحد مع أن الدولة والنظام فيها كانا يسيران حسب أحكام الإسلام. واستمرت الأمة في شجاعتها السياسية ما بين إقبال أو توقف حسب قوة فهم الأمة للإسلام. وقد دفعت الأمة ثمناً غالياً في هذا الزمان حين جبنت عن محاسبة أواخر الخلفاء العثمانيين، ولم تقم بما فرضه الله عليها بالأخذ على يد كمال أتاتورك الكافر لإبقاء حكم الله مطبقاً. وكانت الفاجعة الكبرى حين أعلن كمال أتاتورك سقوط دولة الخلافة وطرد الخليفة خارج البلاد بصورة مذلة ومحزنة. وبضياع دولة الخلافة والأم الرؤوم، استشرى الجُبْن عند الأمة -إلا من رحم الله- وانعدمت الشجاعة السياسية، ولم تعد الأمة تكترث بمحاسبة حاكم أو قائد، مع أنها حاربت الاستعمار والاحتلال، وأثبتت أنها تمتلك طاقة حيوية وشجاعة فائقة. وقد ابتليت الأمة في هذا الزمان بعلماء مَلَك الخوف قلوبهم، وأنفوا الشجاعة، وأحبوا الخنوع، فلا تركوا الأمة تُقدِم على محاسبة الحكام، ولا قادوها إلى ذلك. بل إن قام فرد أو حزب بمحاسبة هذا الحاكم وقف هؤلاء «العلماء» في وجههم ورموهم بأقوالهم الممجوجة بوجوب طاعة الحاكم والصبر على أذاه، وعدم رمي النفس في التهلكة، وهم من بعد ذلك يكيلون المدح والثناء والدعاء لهذا الحاكم، وأصبحت الأمة بين فكين: الحكام وأعوانهم من الأجهزة الأمنية، والعلماء وفتاويهم. وقد عمل الحكام يساندهم في ذلك أسيادهم الغربيون على بثِّ الجُبْن السياسي عند المسلمين، وحرمانهم من تلك الشجاعة السياسية حتى يضمنوا بقاء الأوضاع على حالها وحتى لا يتمكن المسلمون من اقتعاد مكانتهم بين الأمم وحمل الخير إلى الناس كافة. وقد قام هؤلاء الحكام بقتل وتعذيب وسجن ونفي كل من يقوم بمحاسبتهم وبيان الحق لهم. فالبعثيون في العراق أعدموا كثيراً من المسلمين وعلى رأسهم الشيخ عبد العزيز البدري. وقام العابث مجرم ليبيا بقتل 13 مسلماً أمام حشد من الطلبة والمدرسين وما كان ذنبهم إلا بيانهم ومناقشتهم له بأن السنة النبوية -التي ألغاها القذافي- هي مصدر من مصادر التشريع كالقرآن الكريم. وما قام به ضباط الإجرام في مصر الكنانة من إعدام العشرات وعلى رأسهم سيد قطب. وما قامت به كل الأنظمة الاخرى من مجازر وإرهاب تقشعر لها الأبدان ولا يتسع المقام لذكرها. وأرهبوا الناس ونشروا الرعب والخوف من مثل أن السلطة تعلم كل شيء، وأفقروا الناس وسلبوا خيرات البلاد وكأن الناس عبيد لهم والدولة مزرعة لهم ولأولادهم. ولم يكترثوا بفقير أو مسكين أو أرملة أو طفل صغير، فالمهّم هم وأطماعهم وأن تتحقق رغباتهم، وقد كَرَّسوا المثل القائل «أنا ومن بعدي الطوفان». وقد نشروا بين الأمة أمثالاً وأقوالاً غريبة، مثل «اليد لا تلاطم مخرزاً» و «ضع رأسك بين الرؤوس» وما كل ذلك إلا لجعل الأمة تقبل بالأمر الواقع. وقد قاموا بتوظيف «علماء» جُلَّ همّهم هو ترويض وتطويع الأمة وتركيعها لهذا الحاكم. ففي بلاد نجد والحجاز مثلاً، كان استقدام العمال والخدم الكفار لا يجوز، وبين عشية وضحاها أصبح استقدام الجيوش الأجنبية واجباً وجائزاً ! وتجد في أوزبكستان «علماء» يقفون للدفاع عن كريموف حاكم البلاد الذي يحكم بالكفر، ويسجن ويقتل المسلمين علناً وبالآلاف. وتجد في مصر والأردن «علماء» نصبوا أنفسهم لتبرير اتفاقيات الخيانة، وحماية كيان يهود وتجويع المسلمين في غزة. وتجد في بلاد الشام من يقف ويمدح نظام الخزي والعار القاتل لعشرات الآلاف من المسلمين. ولم يسلم المسلمون في بلاد الغرب من مرض الجُبْن السياسي، ولم يتحلوا بالشجاعة السياسية، مع أن المفروض أنهم يعيشون في ظل أنظمة ديمقراطية تتغنى بالحرية وباتساع الصدر للمحاسبة. فالدول الغربية تريد من المسلمين الاندماج في المجتمعات وأن يصبح المسلمون مواطنين أوروبيين أو أمريكيين ولكن بدين إسلامي كما هو حال المواطن الأمريكي المسيحي أو اليهودي أو غيرهم، أي بمعنى أن يصبح المسلمون يقومون بالعبادات ولكن حكمهم وفكرهم عن الأشياء والأفعال لا يستند إلى الإسلام، ويصبح الإقدام على الفعل من عدمه قائماً على المصلحة أو المنفعة تماماً كما هو حال الرأسماليين. وقامت جمعيات ومنظمات تعمل على أساس الدمج. وبدل أن يكون عملهم هو الحفاظ على المسلمين والدفاع عن حقوقهم جميعها وتبيان كيفية العيش في بلاد الغرب، والمحافظة على الهوية الإسلامية والالتزام بأحكام الإسلام في نفس الوقت، جبنوا وخافوا وبعدوا عن التحلي بالشجاعة والإقدام. وكانت الطامة الكبرى بعد أحداث 11/9، فأصبح المسلمون مذنبين حتى تثبت براءتهم، وأخذت الدول الغربية تعمل على إثارة الخوف والرعب، وتُظهر المسلمين أنهم خطر ومنهم مجرمون وقتلة، وهذا سهَّل على الأنظمة الحاكمة في الغرب جرَّ المسلمين نحو الانخراط والانصهار في هذه المجتمع. وخرج على الناس من انعدمت الشجاعة عنده بفتاوى مثل العمل مع المخابرات والدخول في الجيش والمشاركة في الانتخابات وغيرها واعتبار ذلك «واجباً شرعياً». وقد جبنت المؤسسات والمنظمات -في أميركا- الداعية إلى «أمركة» المسلمين عن ذكر ما يتعرض له المسلمون في العراق أو الشيشان أو الصومال، ولا يجرؤون على ذكر مذابح حصلت للمسلمين في العراق مثلاً، مثل حادثة القتل في بغداد عام 2007م التي سربها موقع «ويكي ليك» مع أن الأمريكان أنفسهم رفضوا ذلك واستقبحوه. ومن الغريب المبكي أن يصل الجُبْن بمحامٍ مسؤول في «جمعية إسلامية» أن يتولى الدفاع عن أحد ناشري الرسوم الكرتونية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم. ولم تقم المنظمات بالدفاع عن المسلمين المتهمين من قِبل الدولة الأميركية بالإرهاب إلاّ في حالات خاصة. ولم تقم مثل تلك المنظمات بمحاسبة الرئيس الأميركي -الذي انتخبوه- في كثير من القضايا التي تهم المسلمين مثل فلسطين أو وعوده بالانسحاب من العراق أو إرسال مزيد من القوات إلى أفغانستان. أو تغيير التعامل مع المسلمين، وتغيير الرأي العام تجاههم. إن الجُبْن السياسي مرض عضال إن استشرى في الأمة أدى بها إلى السكوت عن المطالبة بحقوقها وانحدر بها إلى الدرك الأسفل بين الأمم. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور عن السكوت والمحاسبة، حيث قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ قَوْمًا ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» (مسند أحمد). فأيُّ مصيبة وأي حال أسوأ مما فيه الأمة الآن؟! لقد حان الوقت لأن تكف الأمة عن هذا الجُبْن، وآن الأوان أن تنفض الأمة عنها ثوب الذل والخنوع فتتحلى بالشجاعة والإقدام، فتدافع عن حقوقها، وتبين مطالبها دون خجل أو تُقية.
أدرك المسلمون منذ وقت مبكر أهمية جزيرة قبرص في غزواتهم وفتوحاتهم فجهَّز الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه أسطولاً إسلامياً كبيراً لفتحها شارك فيه كبار الصحابة ومنهم عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأم حرام بنت ملحان رضي الله عنها والتي توفيت ودفنت في الجزيرة. وسقطت الجزيرة عدة مرات بأيدي الفرنجة وكانت في كل مرة تُتخذ كقاعدة عدوانية لشن الهجمات المتكررة على السواحل الشامية والمصرية كما حصل مع ريتشارد قلب الأسد الذي استخدمها كقاعدة متقدمة للانقضاض على بلاد الشام، وكانت تُتخذ أيضاً كقاعدة تجميع لعودة جنود الفرنجة إلى موطنهم في أوروبا. فتحها السلطان المملوكي الأشرف برسباي بعد أن قام الروم فيها بالاعتداء على قوافل التجارة والحجيج في العام 829هـ. ثم عاد الإفرنجيون وسيطروا عليها، فقام العثمانيون في العام 978هـ وفتحوها وضموها إلى الدولة العثمانية التي استمرت في السيطرة عليها لمدة ثلاثة قرون متتالية. لقد بقيت قبرص جزيرة إسلامية تحت يد المسلمين من ايام الخليفة عثمان بن عفان في القرن الأول الهجري إلى ايام الخليفة العثماني عبد الحميد في القرن الثاني عشر الهجري. فوجود المسلمين فيها هو الاصل وليس وجود اليونانيين. وهي بلد إسلامي وبلد المسلمين الاتراك، واليونانيون فيها انما يعتبرون ذميين وليسوا اصحاب السيادة عليها. وفي عام 1296هـ (1879م) وفي ظل الضعف الشديد للدولة العثمانية التي كانت منهمكة في حرب ضروس مع الروس، استطاع رأس الكفر الإنجليز بخطة خبيثة استئجار الجزيرة بذريعة الحاجة إليها مؤقتاً مقابل مبالغ مالية تدفع للدولة العثمانية. وأقامت بريطانيا في الجزيرة أكبر قواعدها العسكرية في العالم خارج الأراضي البريطانية، وأصبحت الجزيرة منذ ذلك التاريخ مؤلفة من ثلاثة كيانات: كيان يوناني، وكيان تركي، وكيان بريطاني. وفي عام 1915م استغلت بريطانيا ضعف الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى فقامت بإلحاق قبرص بإمبراطوريتها، وبعد أن سقطت دولة الخلافة العثمانية وهَبَ عملاء الإنجليز في الجمهورية التركية قبرص لبريطانيا بصورة رسمية قانونية من خلال معاهدة لوزان التي أبرمت عام 1925م، وبعد الحرب العالمية الثانية بدأت أمريكا تزاحم بريطانيا محاولة فرض سيطرتها على جزيرة قبرص، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن والقوى السياسية في قبرص تتنقَّل بين أمريكا وبريطانيا، وما الأحداث والتقلبات السياسية في تلك الجزيرة إلا نتاج لهذه المزاحمة. ان قضية قبرص اليوم هي صراع بين الانجليز والامريكان وليست نزاعا بين تركيا واليونان فامريكا تريد اخراج بريطانيا من قبرص وازالة القاعدة العسكرية التي لهم فيها وبريطانيا تريد الاحتفاظ بالقاعدة العسكرية، ففي عام 1958م اشعلت أمريكا الثورة في قبرص ضد الانجليز عن طريق اثارة اليونانيين وجعلهم يطلبون الانضمام الى اليونان واتت أمريكا بعميلها جريفاس ليتزعم الثورة وبالفعل قام اليونانيون يقاتلون الانجليز لاخراجهم من الجزيرة وضمها إلى اليونان. فما كان من بريطانيا الا ان دفعت عميلها المخلص المطران مكاريوس ليتزعم الثورة ضد الانجليز وحمل على الانجليز حتى نفوه إلى سيشل ثم دفعت صديقها عدنان مندريس رئيس وزراء تركيا السابق ليجعل الاتراك القبارصة يعارضون الانضمام الى اليونان وبذلك توصلت الى ضرب خطة أمريكا والاحتفاظ بقاعدتها في قبرص عن طريق اعطاء الجزيرة استقلالها. وفي عام 1960م منحت بريطانيا الاستقلال للجزيرة تحت ضغط أمريكي، فأقامت فيها نظاما سياسيا طائفيا هشا، ووضعت على رأسه المطران مكاريوس. ثم اشتد الصراع الأمريكي البريطاني على قبرص فحاولت أمريكا التدخل فيها لإخراج الإنجليز من قواعدهم العسكرية في الجزيرة والحلول مكانهم، إلا أن بريطانيا أشعلت نار الفتنة في الجزيرة، واستمرت الحرب الأهلية لمدة عشر سنوات راح ضحيتها سبعون ألف قبرصي تركي مسلم، الأمر الذي استدعى تركيا للقيام بتدخل عسكري، حيث نزل الجيش التركي في شمال الجزيرة في العام 1974م. وتم بذلك التدخل تقسيم الجزيرة فعلياً إلى قسمين: أحدهما في الجنوب وهو الأكبر والأكثر غنى تحت سيطرة اليونانيين، والآخر في الشمال تحت سيطرة الأتراك الذين أعلنوا عن قيام جمهورية قبرص التركية فيه ولم تعترف بها أية دولة في العالم سوى تركيا، وفُرض عليها الحصار. ثم أعادت أمريكا الكرة ثانية وحاولت التدخل عدة مرات في الجزيرة، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها بسبب السياسة الإنجليزية الخبيثة التي أوجدت صراعاً مزمناً بين الأتراك واليونانيين، وأقحمت الاتحاد الأوروبي في ذلك الصراع، الأمر الذي ميَّع القضية، ورسَّخ الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة. يقول سردار دنكطاش وزير الخارجية القبرصي التركي: "لا أحد يجرؤ على بحث ملف القواعد البريطانية في الجزيرة لأنه يعلم أنه إذا ما فعل ذلك فإنه سيخسر دعم بريطانيا بل وسيكسب عداوتها وعداوة من معها في أوروبا"، وأضاف: "بريطانيا تعلم جيداً أنه في حال التوصل إلى حل للقضية القبرصية وفي حال مصالحتنا مع القبارصة اليونان فإنها ستواجه متاعب كثيرة لأننا قد نفتح ملف الوجود العسكري البريطاني في الجزيرة وأنا كمواطن هنا لا أتمتع بما يتمتع به البريطانيون وقواعدهم من سيادة عليها". ثم حاولت أمريكا الرمي بآخر سهامها في القضية القبرصية من خلال المبادرة التي اقترحها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان والتي تقضي بتوحيد شطري الجزيرة التركي واليوناني، لكن المفاجأة هذه المرة جاءت من اليونانيين الذين رفضوا المبادرة بأغلبية كاسحة في العام 2004م تقارب الـ 75%. والسبب في رفض اليونانيين للمبادرة أن الاتحاد الأوروبي اعترف بهم كدولة شرعية لجزيرة قبرص وضمهم إلى الاتحاد، ولم يشترط عليهم حل القضية القبرصية أولاً أو قبول الحل الذي قدَّمه كوفي عنان، ولم يعاقبهم لأنهم لم يتجاوبوا مع إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة. فخطة كوفي عنان بدت لهم بعد احتضان الأوروبيين لهم بمثابة تقديم تنازل للأتراك بلا ثمن، وبمعنى آخر كانت خطة عنان تعني بالنسبة لهم أن يتنازلوا عن جمهوريتهم القبرصية اليونانية الناجحة والمزدهرة لتشكيل جمهورية مشتركة مع القبارصة الأتراك المسلمين، يتقاسمون معهم السيادة والثروة. فكان الخيار الطبيعي أن يرفضوا ذلك طالما أنهم يمثلون بمفردهم قانونياً الجزيرة برمتها. لقد بلغ الناتج القومي للشطر اليوناني بعد انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي 4.9 مليار دولار أمريكي بمعدل 12500 دولار أمريكي للفرد الواحد، وأصبح الاقتصاد القبرصي من أفضل اقتصاديات الدول العشرة التي انضمت للاتحاد الأوروبي في عام 2004م، بينما يعاني الشطر التركي في الجزيرة من حصار خانق، ومن أحوال معيشية مزرية، ومن بطالة وفقر وتخلف. ولقد طالب رؤوف دنكطاش زعيم القبارصة الأتراك الدول الكبرى، والمجتمع الدولي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي برفع الحصار عن شمال قبرص وخاصة بعد قبول القبارصة الأتراك لخطة كوفي عنان، لكنه تلقى وعوداً بتخفيف الحصار من تلك الجهات لم تتحقق. وعوَّل دنكطاش على حكام العرب والمسلمين لكي يوازنوا كفة الأتراك المرجوحة في مواجهة دعم الأوروبيين للقبارصة اليونانيين لكنه وجد أن هؤلاء مثلهم مثل غيرهم في مساندة الشطر اليوناني من الجزيرة، ولا يريدون الاعتراف ولا التعامل مع الشطر التركي كعادتهم في دعم أعداء الأمة والسير وفقاً لمخططات الدول الكبرى. وأما الدولة التركية، فإن تلهفها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ أكثر من أربعين عاماً أفقدها هيبتها ووزنها، وأفقد معها أي أمل للقبارصة الأتراك في تحسين أوضاع الشطر التركي السياسية والاقتصادية، وأصبح الأوروبيون يتمادون على الأتراك ويشترطون عليهم أن يعترفوا مسبقاً بقبرص اليونانية كممثل رسمي للجزيرة القبرصية برمتها قبل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وفي 21 أيلول 2005م صدر إعلان أوروبي يؤكد على أن "الاعتراف بجميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عنصر أساسي في عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد"، وهذا يعني إلزام الاتحاد الأوروبي لتركيا بالاعتراف بقبرص اليونانية ممثلة لشطري قبرص قبل الدخول في الاتحاد الأوروبي. لقد وصل الاستخفاف بتركيا إلى درجة أن قبرص اليونانية أصبحت تملك الحق في عرقلة بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي باعتبارها دولة عضو في الاتحاد. وقد أعلن المتحدث باسم الرئاسة النمساوية للاتحاد الأوروبي نيكولا دونيغ في 12/6/2006م "أن القبارصة اليونانيين لا يزالون يرفضون التراجع ولو لخطوة واحدة" وذلك في إشارة إلى رفض بدء المفاوضات لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وبهذه الطريقة استطاع الإنجليز الخبثاء تحويل القضية القبرصية إلى قضية أوروبية داخلية بحتة، واستطاعوا رفع أيدي الآخرين عنها لا سيما الأيدي الأمريكية. وهكذا نجد أن قضية قبرص قد ضاعت أولاً بين بريطانيا وأمريكا أي بين الأوروبيين والأمريكيين، وأن المسلمين الأتراك في الجزيرة هم الخاسر الأكبر في هذا الصراع، وأن الدولة التركية أصبح وضعها مهزوزاً جداً بسبب هذه القضية، وقد أمعن الأوروبيون في ازدرائها واحتقارها، واستغلوا في ذلك تهافتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بينما تحسَّن وضع القبارصة اليونانيون وأصبحوا يتمتعون بمستويات معيشية عليا، وباستقرار غير مسبوق، غير عابئين بما يعانيه جيرانهم الأتراك، لأن المجتمع الدولي بات يعترف بهم كممثلين شرعيين لجزيرة قبرص بكاملها، في حين أن الأتراك المسلمين ظلوا يعيشون مضيَّعين على هامش الجزيرة، منبوذين، محاصرين، فقراء، يستجدون العالم ليتمكنوا من مجرد الحصول على حق العيش إن استطاعوا، وإن لم يتمكنوا من ذلك فليس أمامهم إلا الهجرة هائمين على وجوههم في تركيا والعالم. وأما بريطانيا فإنها نجحت في الاحتفاظ بأكبر قواعدها العسكرية خارج الأراضي البريطانية في الجزيرة، بينما تركيا انتهجت سبيل التوسل للأوروبيين كأسلوب مُزْرٍ لتتمكن من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يفرض عليها شروطاً قاسية ليس أقلها التخلي عن جزيرة قبرص لليونانيين، أو التخلي نهائياً عن الإسلام بشتى مظاهره. إن الحل الوحيد الجذري والصحيح لمشكلة قبرص الذي ينقذ قبرص وينقذ الأتراك المسلمين فيها هو توحيد شطري الجزيرة تحت سيادة الدولة الإسلامية، وإعادة الجزيرة إلى دار الإسلام، وتطبيق الأحكام الإسلامية عليها، وطرد النفوذ اليوناني والإنجليزي والأوروبي منها كلياً، لتعود جزيرة إسلامية خالصة. إعداد ابو إياس
لقراءة النص أنقر هنا
لقراءة النص أنقر هنا
لقراءة النص أنقر هنا